أفول الثورات المضادة

خلص تقرير مهم لصحيفة واشنطن بوست إلى أن لدى جيل الشباب المفعم بالحماس الذي قاد الانتفاضات العربية توقعات كبيرة من بلادهم، وأصبح أقل تهاونا مع الإساءة والفشل، وأظهروا قدرتهم على النزول إلى الشوارع عندما تتطلب الظروف ذلك.
التقرير يتحدث بشكل ملموس عن عودة القمع والتسلط وأن بعض الدول ترى في ذلك أدوات ناجعة بدلا من الإصلاح، كان في السياسة أم الاقتصاد، لكن هذا من المحتمل أن يكون مجرد مرحلة عابرة في إعادة ترتيب سياسي طويل الأمد في الشرق الأوسط.
من المفارفات العجيبة أن أيا من الدول التي شهدت الربيع لم تصوب الأوضاع ولم تنفِ الأسباب التي هي بالأصل كانت سبب تلك الانتفاضات، بالعكس أعادت مفهوم أمن الدولة من أوسع الأبواب بل إن دولا شهدت الدماء والقتل والتسلط والأمن الخشن ما يشي بانفجار وشيك.
ليس من باب التحريض بل من النصح بمكان أن تعي التي تدير تلك البلدان أن أهم ما في علاج معضلة ما البحث في الأسباب ومعالجتها بشكل جذري لتجنب اي نزاعات جديدة أو اضطرابات لا يمكن السيطرة عليها فيما بعد، ومفهوم الأمن يتمثل في الحفاظ على الممتلكات وحماية الحدود لا في قمع الناس ومحاربتهم في حرياتهم الشخصية أكانت ممارسات أم أفكارا.
وبنظرة سريعة من حولنا يمكن مشاهدة ما آلت إليه سلوكيات العنف والتطرف وكيف أصبحت تتولد وتزيد ورفع شعار الحل العسكري الذي تتبناه واشنطن في محاربتها تلك الجماعات المتشددة لن تكفي ولن تكون قادرة على احتواء الشباب ذاتهم المتحمسين ولا يريدون سوى العيش الكريم ومساحة كافية من الحرية.
صحيح أن هنالك من يسعى إلى الخراب وهذا أمر موجود في كل مكان وزمان، في نفس الوقت لا يمكن خلط الأوراق ومعاملة من الجميع بالمثل، فكل دولة لديها قوانينها ولديها تعليماتها ولا ضير ان تطبق على الجميع بدون استثناء، أما اللجوء إلى عسكرة المدنية لن تكون نتيجته سوى عسكرة مضادة.
اليوم الإقليم يغلي ومن يحصن داخله سيكون له القدرة على مواجهة الخارج، والحديث عن ثورات مضادة يمكن أن تحبط هؤلاء الشباب حيث أصبحت من الماضي، فأربع سنوات كانت كفيلة بقياس المطالبات بالإصلاحات الحقيقية التي جاءت ضمن الربيع العربي وبين الثورات المضادة المدعومة بالمنظومة الأمنية التي لم تصمد ولن تصمد طويلا أمام ردة الفعل التي بالتأكيد ستكون قد تراكمت وأصبحت أكثر قوة.
(السبيل 2015-03-02)