نتائج رفاهية الخلاف

يقولون من تحت العصي ليس كمن يُعُدّها.. ويقولون هذا يتفلى وذاك يتقلى.. وللعادِيَّات فقه، وللأزمات والنوازل فقه آخر عند العلماء المبصرين.. وما يسع الناس في الرخاء لا يسعهم في الشدة.. وما يباح أو يمنع في العادة، قد لا يباح وقد لا يمنع في الطوارئ.. والمشقة تجلب التيسير.. وكلما ضاق الأمر اتسع وهكذا.. ولا ينكر تغيّر الأحكام بتغيّر الأزمان.
وللسفر أحكام تختلف عنها في الحضر وللمرض والصحة أحكامهما الخاصة.. ولكن اشتداد الأزمات عند العقلاء يكون مقدمة الانفراج..
·عند استقرار الدولة واتساعها في العهد العباسي كثر التأليف والتفريعات وتفصيل الموجز وإيجاز المُفصّل وأنشطة الفلسفة وعلم المنطق (الكلام) والخلاف حول الفرعيات إلى حد الترف وهكذا.
·في الأزمات تشد الأحزمة على البطون طعاماً وشراباً ونوماً وراحة وجدلاً ونحوها.
ولكن لما رأى سعد بن أبي وقاص في معركة القادسية أن (القَعْقاع) قد بدأ القتال قبل اذن وإشارة التكبير قال:- اللهم اغفر له وانصره وقد أذنت له إن لم يستأذنّي حتى لا تعم العقوبة الجيش ويخسر الجميع.
وعند البدو الأصلاء لو أسيء إلى شيخ القبيلة من أطراف أخرى، وجرح وسال دمه قال لبنيه وعشيرته:- وقَعتُ في مكان كذا وشُجّ رأسي، حفاظاً على لحمة العشيرة والقبيلة.
ما بال حكمة البدو الأميين تغيب عن المثقفين ووارثي علم الإدارة والدعاة والساسة والقادة في مختلف المواقع.. أين أصحاب العقول الكبيرة والرؤى الاستراتيجية على مستوى الوطن؟
·أليس في ثقافتنا الشرعية المباح، والمكروه كراهة تنزيهية، وخلاف الأوْلى؟ وأين يمكن تنزيلها إن لم تُنزل على واقعنا اليوم، ونحن نسير في غابة شوك تتنازعنا، مليئة بالزواحف والكواسر من جميع الانواع والاتجاهات.
·إن منهج استدعاء كل حقوقك على الآخرين وبعضُ بعضِ واجباتك نحوهم شجع ظاهر حتى لو أطلقت عليه أفضل الأسماء وأحلى الصفات.
أن يصطرع نفر من الفقهاء على حكم دم البعوض بينما تراق دماؤهم ودماء من يفتون لهم في العادة في كل واد، فعقولهم ليست متقدمة على عقل البعوض كثيراً، حتى لو ظنوا أنهم يخدمون الدين ويتجنبون الحرام.
· ولو غمز كل داع بعينه غمزة لاذكاء الفتنة لاشتعلت ناراً تلظى.
· ولو بصق كل داع بصقة على الفتنة لانطفأت.
· إن الوعظ إن كان موجها إلى جانب واحد فقط فهو –كذبة مرفوضة لن يكتب لها النجاح– ولكن هناك أوعية أوسع من اخرى موقعاً أو قدرات أو امكانات فيجب أن تتسع لغيرها، حتى تحط عصا الترحال، فيأخذ كل مكانه الخاص به في العادة حقوقاً أو واجبات.
إن الخلاف بين أبناء العم مهما بلغ –فما بالك بالإخوة– يُنْسى إذا هُدد الجميع بخطر خارجي محقق.
من أراد الرفاهية قبل تحقيق الضروريات والحاجيات والتحسينات فقد أضاعها جميعاً.
وللأسف، قال الأُميون الحكماء للمترددين والمتمنّعين بالرغم من وقوع المحظور وصلت قاع البئر وهي تقول: وحياة حَبّابي (سيدى) ما طيح (ما أنزل)، وقد وصلت أسفل البئر!
والله غالب على أمره.
(السبيل 2015-03-03)