معاذ "ملهم" الشباب الأردني

كان وقع استشهاد الطيار معاذ الكساسبة مذهلاً على شرائح الشعب الأردني كافة، وحاسماً في التحول في الرأي العام الأردني. لكن يبدو أن أثره على الشباب الأردني كان من نوع آخر.
تأثير مُعاذ على الشباب الأردني كان له طعم خاص؛ فقد كان "ملهماً" لهم، وغيّر حياتهم، كما غيّر طريقة تفكيرهم. إن ردة فعل الأردنيين بعامة، والشباب بخاصة اليافعين منهم، لم تكن مرتبطة فقط بالوحشية التي قُتل بها معاذ، بل تتجاوز ذلك بكثير.
لقد أظهر استطلاع مركز الدراسات الاستراتيجية في الجامعة الأردنية، والذي نشرت نتائجه بداية الأسبوع الحالي، تحولاً كبيراً وتاريخياً في الرأي العام الأردني، ليس فقط نحو الموقف من تنظيم "داعش" الإرهابي، وإنما أيضاً باتجاه تنامي الهوية الوطنية للأردنيين.
هذا التحول كان تدريجياً، لكن استشهاد الطيار معاذ كان عامل الحسم. وعماد هذا التحول هم الشباب؛ فهم الفئة التي كانت أكثر تحولاً من غيرها، وساهمت في هذا التحول بشكل عام. والسبب الرئيس، في رأيي، يعود إلى أن معاذ ألهم الشباب من خلال تشكيله نموذجاً جديداً لهم، مستنهضاً بذلك الروح الوطنية لديهم، بصرف النظر عن خلفياتهم.
معاذ النموذج تمثل في ثلاثة أبعاد مترابطة. الأول، أنه "مثلهم" جاء من أسرة تشبه أسرهم، ووضع لنفسه طموحاً وثابر واجتهد لتحقيقه، واستطاع أن ينجح وأن يصبح طياراً. أما البعد الثاني، فهو أنه أصبح رمزاً للتضحية؛ فقد ضحى بنفسه من أجل وطنه من دون تردد، ومن دون مصالح شخصية. فيما يتمثل البعد الثالث في أن الشهيد معاذ جابه مصيره بأنفة وعزة نفس، وبذلك كان بطلاً في نظر الشباب.
عندما بُث الفيديو الذي أظهر الجريمة الإرهابية النكراء، كنت مسافرا. وبالصدفة كنت في الفندق. وبعد أقل من عشر دقائق، جاءتني رسائل نصية من ابني ذي الأربعة عشر عاماً فيها كلمتان فقط: "كلنا معاذ". وكنت قلقاً عليه من أن يشاهد الفيديو، ويصاب بصدمة. وعندما عدت سألته إن كان شاهد الفيديو، فقال لي عدة مرات. فسألته ما الذي لفت انتباهه في الشريط. فقال لي: "رباطة جأش وأنفة معاذ". ومنذ ذلك الحين أصبحت صورة معاذ فوق سريره بدلاً من لاعبه المفضل رونالدو.
لقد استنهض معاذ الروح الوطنية الكامنة لدى الشباب، وشكّل نموذجاً مناقضاً للإرهاب والقتل. كما شكّل نموذجاً وطنياً مناقضاً للنماذج الفاسدة والمترفهة التي لا تعرف من الوطن سوى ما تأخذ منه. وكأن معاذ بهذه المعاني شكل نموذجاً كان يحتاجه الشباب ويبحثون عنه. وقد أدى ذلك إلى التفافهم التلقائي حول وطنهم ودولتهم وأجهزتهم الأمنية بطريقة غير مسبوقة منذ فترة، وعاد الشباب إلى حضن مجتمعهم ودولتهم بالرغم من كل أشكال المعاناة واليأس التي يعانون منها، بسبب الظروف والأحوال الاقتصادية الصعبة، من بطالة وغيرها.
لقد أصبح معاذ رمزاً للوطنية الأردنية، وأيقونة في عقول وقلوب الأردنيين والأردنيات. وكما قال الملك في خطابه: "لقد أصبح في كل بيت معاذ". وترجمة ذلك أنه تمت إعادة الاعتبار لقيم التضحية والوطنية والروح الجماعية.
إننا نعيش لحظة نادرة من الوطنية الأردنية، تشكل فرصة تاريخية يجب أن تحفزنا لالتقاطها، والتنبه للشباب وظروفهم. فننتهز هذه اللحظة للبناء والعمل، والالتفات للشباب الأردني لمساعدته في تحقيق طموحاته. وهذا يتطلب تفكيراً خارج الصندوق. لذلك، لا بد من تطوير وثيقة سياسات موجهة لدعم الشباب الأردني، وحل مشكلاتهم الاقتصادية والاجتماعية، لأنه ليس مسموحاً أن نخسر الشباب مرة أخرى.
(الغد 2015-03-05)