ارفع رأسك أنت أردني

تحول خطاب جلالة الملك عبدالله الأسبوع الماضي الى وسم و"هاشتاج" يتغنى به الشباب قبل أن تتحدث به النخب السياسية، وأصبح بين ليلة وضحاها قصة محكية عن الأردنيين وتاريخهم وصورتهم.
كانت النخب السياسية في عمان تتوقع خطاباً من الملك يناقش قضايا راهنة مثل مستقبل التعامل مع تنظيم داعش والحلول المطروحة على الطاولة، وكان هؤلاء ينتظرون أن يسلط الضوء على الحالة الاقتصادية للبلاد بعد إقرار الموازنة والتعديل الوزاري، وعودة النقاش عن الإصلاح المتعثر، والزلزال الذي ينفجر في بيت الإخوان المسلمين، لكن الملك اختار أن يكون خطابه منصباً على إعلاء قيمة الهوية الأردنية كجامع للناس بعد حالة التلاحم منقطعة النظير إثر استشهاد الطيار معاذ الكساسبة، وبعد أن أصبحت الحالة الأردنية نموذجاً مختلفاً عن دول الإقليم التي تشتعل وتتمزق وتحترب.
لم يجد الملك ما هو أهم ليتقدم على خطاب وجداني للناس لشحذ هممهم، واختار لغة الناس بعيداً عن التنظير السياسي، لغةً تستقر في قلوبهم، رسائل تهضمها وسائل التواصل الاجتماعي التي صارت تصنع الرأي العام وتحدث الضغط والتغيير أكثر من وسائل الإعلام الأخرى، وأكثر من نميمة وثرثرة الصالونات السياسية، فالتحدي الحقيقي لمواجهة داعش ليس امتلاك الأسلحة والطائرات، بل شعب موحد يفوت الفرصة على الظلاميين لنخر جسد الوطن.
ورغم أن الخطاب كان يسعى لمراكمة البناء على حالة الالتفاف والتوحد الوطني، إلا أنه حمل رسائل للداخل الأردني تذهب في جلها الى تعزيز دولة المواطنة والعدالة وسيادة القانون.
وباعتقادي أن رسائل الداخل التي تعلي من القيم الإنسانية حائط الصد الأقوى لمنع اختراق بنية المجتمع من الإرهابيين والتكفيريين، فالمعادلة واضحة فوطن يمزقه الظلم والفقر وتغيب عنه العدالة خاصرة رخوة ليعبث به تنظيم داعش وغيره، ووطن يسيّجه الأمن والأمان والإحساس بالانتماء ولا يعرف القهر منيع على هؤلاء.
في الشعار الذي أطلقه الملك "ارفع رأسك أنت أردني" عرف كيف يصل للناس، بسطائهم، شبابهم، قراهم قبل مدنهم، والأهم أن حالة الزهو والتباهي "بأردنيتك" لها معايير وشروط جعلت من الشعار ليس قيمة لغوية، بل قيمة إنسانية.
ارفع رأسك أنت أردني، تعني أولاً العمل والإنجاز وليس القول، وتعني أيضاً دعم المواهب والريادة.
وارفع رأسك أنت أردني، ترتبط بأن ترفع رأسك لأنك تؤمن بالمواطنة، وتدافع عن العدالة، وترضخ لسيادة القانون، فهذا هو الأردني الذي يريده الملك، وهذا هو الوطن الذي يتسع لكل أبنائه.
ارفع رأسك أنت أردني، لأنك تمقت الطائفية، وتشمئز من الإقليمية ودعاتها، وارفع رأسك بعمان التي كانت موئلاً ومقصداً لكل العرب.
وارفع رأسك أنت أردني لا يفرّط بعروبته، وينتصر للمظلومين، ويمارس التسامح في حياته وينبذ العنف.
ارفع رأسك أنت أردني صنع تاريخه، ويعمل من أجل حاضره بعزم، ويستشرف مستقبله بإرادة وثقة.
قراءة خطاب الملك بعد أيام على إلقائه تؤكد على إعادة ترتيب الأولويات، فالشارع الذي تشغله لقمة الخبز يريد الآن أن يحافظ على الأردن بعيداً عن نيران الإقليم التي تحرق اليابس والأخضر، وهو مستعد لتقديم التضحيات، وتأجيل الكثير من الشعارات التي يؤمن بها إلى أن نصل إلى بر الأمان.
ارفع رأسك فأنت الأردن، وأنت من يصنع للوطن عزه وفخاره.
(الغد 2015-03-08)