دليل المدن والمجتمعات

ليس صعبا ولا مكلفا أن يكون في شبكات التواصل الاجتماعي مواقع ومجموعات حول الأمكنة والمدن والقضايا والخدمات والمؤسسات. لكن الأكثر ضرورة هو أن يتشكل وعي واضح بالأولويات والأهداف التي يُشغل بها النشطاء والمشاركون في هذه التشكلات. فقد لاحظت أن صفحات المدارس والبلدات والقضايا التنموية والإصلاحية، يغلب عليها الاقتباس، والإسراف في الصور والمقولات المكررة والبعيدة عن جوهر الفكرة المنشئة. وهي بذلك لا تضيف شيئا، ولا تطور في حراك المجتمعات نحو أهدافها ومطالبها؛ بل وتفرغ العمل والتنظيم المجتمعيين من محتواهما. وبالطبع، هناك صفحات ومحاولات جيدة ومعقولة.
يمكن في المساحة المتاحة عرض أو اقتراح خريطة طريق، أو مشروع دليل عمل للمدن والمجتمعات، لتحديد أهداف ومحتوى عملها وتشكلاتها. سيكون الإطار الأساسي هو المدن والبلدات والمحافظات، بحيث ينظر المجتمع المكون من مائة إلى مائة وخمسين ألف نسمة إلى أنه يستحق أن تكون لديه جامعة، وإذاعة محلية، ومستشفى متكامل لا يحتاج بوجوده المواطنون إلى الذهاب أو التحويل إلى المستشفيات المركزية والكبرى في عمان (لا يوجد لدينا خارج عمان إلا مستشفى الملك عبدالله المؤسس في جامعة العلوم والتكنولوجيا). ومن الطبيعي والضروري أن تتحرك المحافظات والمدن ليكون لدينا 12 مستشفى على الأقل في مستوى مستشفى الجامعة الأردنية والملك عبدالله والبشير والأمير حمزة. وحتى عمان نفسها بحاجة إلى عشرة مستشفيات أخرى على الأقل، تخدم المناطق والمدن الرئيسة التي صارت جزءا من عمان؛ مثل ماركا والموقر وسحاب وأبو نصير... ثم تتشكل جمعيات ومواقع ومجموعات شبكية لمتابعة وتطوير أعمال هذه المستشفيات والجامعات، وبناء شراكة اجتماعية معها.
وعلى المستوى الفرعي في داخل المدن والمحافظات، تتشكل مجموعات على مستوى البلدات والأحياء، بحيث يكون لكل تجمع من خمسة آلاف نسمة مدارس ثانوية وأساسية، ورياض أطفال، ومركز صحي، وحديقة عامة ومكتبة عامة، وجمعية استهلاكية تعاونية، وناد رياضي ثقافي اجتماعي، ومراكز وبرامج صحية واجتماعية للأطفال والمرضى والمعوقين وكبار السن. وفي ذلك تتشكل أيضا مجموعات وتشكلات تضمن أن جميع سكان الحي قادرون على الاستفادة من الخدمات الأساسية والوصول إليها، وأن هذه الخدمات في مستوى من الجودة والأداء يليق بتطلعات المواطنين.
ويمكن الانتقال بعد ذلك إلى مستويات موضوعية من العمل المجتمعي، تستهدف الإصلاح الضريبي والإنفاق العام والسياسات المالية والاقتصادية والإدارية، والتوظيف، والعطاءات الحكومية والخاصة، والعدالة الاجتماعية وحماية المستهلك والضمان الاجتماعي، والنقل العام والمواصلات، والطاقة والمياه.. بحيث تسعى المجتمعات إلى التأثير على الحكومة والأسواق باتجاه أهدافها ومصالحها، وأن تكون هذه المجتمعات شريكا كفؤا في إدارة وتنظيم هذه الخدمات والمؤسسات والقرارات، وتطبيق القوانين بعدالة وشمول، وتخطيط المدن والأحياء وتصميمها على نحو يلائم احتياجات المجتمعات والأفراد وذائقتهم الجمالية.
وهناك خط مواز في العمل الاجتماعي، ولا يمكن لغير المجتمعات إنشاؤه وتطويره، وهو تحسين الحياة والارتقاء بها. ويحتاج ذلك، إضافة إلى التشبيك، تبادل المعرفة والخبرات في الثقافة والفنون، وأسلوب الحياة في السكن والطعام بخاصة، مثل تصميم البيوت والأثاث، والصيانة وترشيد الاستهلاك، والطهو والتغذية؛ بحيث تنشئ المجتمعات في المحصلة إرثها الثقافي والفني والاجتماعي الذي يجعل حياتها كما تحب أن تكون عليه، ويجعل الأداء والحراك الثقافي والفني متفقا مع تطلعاتها وتنمية مواردها وتجديدها.
كيف نتأكد أن الأفراد والمجتمعات يملكون الذائقة المتطورة والكافية لتحسين حياتهم، وتقييم المنتجات الثقافية والإبداعية والسلع والأفكار؟
(الغد 2015-04-08)