الكفالة الدستورية لحرية الرأي

من المعروف أن الدستور في الدول الحديثة له مرتبة السمو ويعد أبا القوانين، وهو في الأردن يسنَّم رأس هرم التشريعات.
وتنص المادة 15 من الدستور الأردني (كما جرى تعديلها في 1 /10/ 2011) على ما يلي:
1- تكفل الدولة حرية الرأي، ولكل أردني ان يعرب بحرية عن رأيه بالقول والكتابة والتصوير وسائر وسائل التعبير بشرط ان لا يتجاوز حدود القانون.
2- تكفل الدولة حرية البحث العلمي والإبداع الأدبي والفني والثقافي والرياضي بما لا يخالف أحكام القانون أو النظام العام والآداب.
3- تكفل الدولة حرية الصحافة والطباعة والنشر ووسائل الإعلام ضمن حدود القانون.
والملاحظ أن الدستور الأردني يكرر عبارة "تكفل الدولة" ثلاث مرّات بعد أن وردت العبارة مرّة واحدة قبل التعديل.
ومن المعروف أن المشرِّع الدستوري لا يلهو، ذلك أن إيراد هذا التكرار مقصود وليس تزَيُّدا.
وسأبدأ بكلمة "تكفل" ففي لسان العرب لإبن منظور: كفيل وكافل وضمين وضامن بمعنى واحد. وفي معجم المعاني الجامع كَفَالَة: ضَمَانَة. كَفَلَ عَيْشَهُ: تَكَفَّلَ بِهِ، قَامَ بِهِ وَأَنْفَقَ عَلَيْهِ.
وفي الحديث الشريف: "أَنَا وَكَافِلُ الْيَتِيمِ فِي الْجَنَّةِ كَهَاتَيْنِ وَأَشَارَ بِأُصْبُعَيْهِ: السَّبَّابَةَ وَالْوُسْطَى". وفي حديث وفد هوازن الى رسول الله قالوا له: أنت خير المكفولين. وكفالة اليتيم: هي ضم اليتيم والإنفاق عليه والقيام بمصالحه وشؤونه.
"وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم" الآية 44 من آل عمران.
وكانت مريم ابنة إمامهم وسيدهم، فتشاحن عليها بنو إسرائيل، فاقترعوا عليها بأقلامهم التي كانوا يكتبون بها أيهم يكفلها، فقرعهم زكريا، وكان زوج أختها، "فكفلها زكريا " يقول: ضمها إليه.
والكفالة هنا إيجابية أي القيام بأفعال تضمن هذه الكفالة. وهناك كفالة سلبية اي كفالة امتناع، أي الامتناع عن عمل كضرب اليتيم وأخذ ماله من دون وجه حق.
وفي القانون الدستوري جاء الإلتزام على الدولة بكفالة سلطاتها التشريعية والتنفيذية والقضائية. أي أوجب الدستور على هذه السلطات القيام بأفعال إيجابية لضمان كفالة حرية الرأي لكل أردني. والكفالة الإيجابية positive obligation or affirmative action تختلف عن الكفالة السلبية negative obligation الواردة في التعديل الدستوري الأميركي الأول لعام 1791 الذي ينص: إن الكونغرس لن يُصدر أي قانون يحد من حرية الكلام ومن حرية الصحافة. أي أن لا تتدخل السلطة التشريعية وأن تمتنع السلطة التشريعية عن إصدار قانون يحد من حرية الكلام ومن حرية الصحافة.
أما عبارة "لكل أردني" فلاحظ أنها جاءت بصيغة الإفراد وليس كبقية مواد الدستور الأردني بصيغة الجمع على غرار: المادة 6 فقرة 1: الأردنيون أمام القانون سواء، أو المادة 16:
1- للأردنيين حق الاجتماع ضمن حدود القانون.
2- للأردنيين حق تأليف الجمعيات والنقابات والاحزاب السياسية.
المادة 17: للأردنيين الحق في مخاطبة السلطات العامة.
وكانت الكلمة في الأصل بصيغة الجمع وفي اللحظات الأخيرة جرى تعديلها لصيغة الإفراد عام 1951.
الخلاصة أن الدولة الأردنية بكافة سلطاتها هي مدين تجاه الشعب الأردني الدائن لها بكفالة حرية الرأي بالقول والكتابة والتصوير وسائر وسائل التعبير وبكفالة حرية الصحافة ووسائل الإعلام وعليها التزامات إيجابية توجبها هذه الكفالة الدستورية.
وليس صحيحا أن دور الدولة هو الإمتناع عن التدخل "وكل واحد يخلِّع شوكه بيده".
العرب اليوم