تداعيات قانون محاسبة سورية

قانون محاسبة سورية الذي صدر عن الكونغرس الامريكي في عهد الرئيس الامريكي جورج بوش الابن بعد احتلال العراق بفترة وجيزة؛ ها نحن نشاهد تنفيذه على الاراضي السورية منذ عام 2011. واعتبر في نظر السياسيين والمحللين والمراقين حينها، انه مقدمة لتدخل عسكري امريكي في سورية.
فسورية بموقعها المتوسط بين اسرائيل والعراق تمثل الهدف التالي بعد العراق من خطة الشرق اوسطية، التي أصرّ الرئيس بوش الابن والصقور في ادارته على المضي قدما بها برغم فشل سياستهم في كل من افغانستان والعراق.
بعد احتلال العراق، عكفت الادارة الامريكية بزعامة بوش الابن وتخطيط الصقور الصهيونيين المتشددين، وعلى رأسهم "بول ولفويتز" اليهودي الصهيوني، على مخطط للعمل العسكري الواسع على كل من سورية وايران. ولما تخرج قواتهم بعد من المستنقع الافغاني ولا من وحول العراق!!
هذه السياسة العدوانية المتسلطة الخرقاء، التي تعتمدها امريكا في المنطقة والتي لا تعرف الا لغة الحرب سارت بتكامل وتطابق مع السياسة الاسرائيلية الصهيونية؛ حيث ان الحرب على العراق عام 2003 شارك فيها خمسة الاف من صهاينة شارون العسكريين ومن رجال الموساد؛ وكان لهم الدور الاكبر في عمليات النهب للمتاحف والمخطوطات التاريخية العريقة التي تمثل حضارات بلاد ما بين النهرين التي تمتد الى عشرة آلاف عام قبل الميلاد، وتعتبر اولى الحضارات الانسانية القديمة.
بعد الحرب بأشهر قليلة ظهرت المقاومة في العراق ضد الامريكيين، وهذه المقاومة كما رآها "بريمر" الحاكم المدني الامريكي في العراق كانت تتصاعد كمّا ونوعا وكيفا، وهذا في رأيه دلّ على قيادة ذات تنظيم سري، يخطط لعمليات المقاومة ويمولها ويوزع مهامها عند التنفيذ مما أقضّ مضاجع الامريكيين وحدا بالرئيس بوش الابن الى استدعاء بريمر لواشنطن.
قدّم بريمر تقريره للرئيس بوش وادارته الصقور حوله وجميعهم وجدوا امام عمليات مقاومة منظمة من تخطيط محترفين واشراف اجهزة استخبارات ليست لجماعات وانما لدول. وهذه الدول هي سورية وايران اللتان تسمحان بتسلل المجاهدين عبر حدودهما الى العراق. وفي رأي بريمر ان هناك تنسيقا ما بين سورية وايران وأتباع صدام حسين وجماعات القاعدة في تنفيذ اعمال المقاومة في العراق التي ينتج عنها يوميا قتلى وجرحى من الامريكيين؛ بحيث اصبحت الادارة الامريكية والشعب الامريكي يعيشون هاجس الحرب في فيتنام.
وفي واشنطن وضع بريمر مع مرؤوسيه المحافظين الجدد واليمينيين المتطرفين خطة لقلب الاوضاع في العراق لصالح الامريكيين تحت اسم "المطرقة الحديدية"، تتلخص بتصعيد الحرب القمعية بشراسة ضد العراقيين. والخطة الثانية التي عاد بها بريمر الى العراق حسم الموقف مع كل من سورية وايران. وهو ما عرف بقانون محاسبة سورية. وهذا القانون قضى بفرض عقوبات عليها وحصار. وسورية وايران في نظر امريكا تشكلان العقبتين الرئيسيتين في طريق تنفيذ خطة الشرق الاوسط. وهما في نظر الادارة الامريكية آنذاك الهدفان التاليان بقرار الحرب العسكرية التي نوقشت في أروقة البنتاغون والبيت الابيض.
وعندما عاد بريمر الى العراق؛ كانت قد وكّلته الادارة الامريكية بنقل الحرب الى سورية وايران بطرق خفية؛ وذلك باثارة المشاكل والقلاقل فيهما. وعليه استدعى بريمر تبعا لذلك رجال المخابرات العراقيين السابقين الذين كانوا يعملون في الملفين السوري والايراني. واوكل اليهم العمل في الملفين لصالح الامريكيين كموظفين لدى ادارته. وبالفعل تم نشر الف وخمسمائة عنصر منهم على الحدود مع سورية.
وفي العراق كشف بريمر عن عمليات عسكرية ضد اهداف منتقاة داخل سورية، وضد المواقع السورية في لبنان. وفي رأيه هذه العمليات ستهز النظام البعثي الحاكم في سورية وتمهد لاستئصاله، كما فعلت امريكا مع النظام البعثي في العراق. فالعقيدة البعثية تقوم على اسس قومية تدعو الى الوحدة العربية، وجمع شمل العرب تحت شعار "امة عربية واحدة ذات رسالة خالدة". وهذا المبنى في العقيدة البعثية يقلق امريكا، ويدفعها للتحرش بسورية، وخلق اسباب ملفقة للتأديب او الغزو والاحتلال؛ كما فعلت في العراق. وعندها يتسنى للكيان الصهيوني الوصول الى الفرات وتحقيق مقولات الاساطير التلمودية، عبر طريق سالكة. كما يسهّل بعدها نقل النفط العراقي عبر سورية الى حيفا على البحر المتوسط للتصدير.
لكن!.. امريكا كانت متورطة في افغانستان والعراق؛ ولا يمكنها التحرك العسكري نحو سورية. لكن من المتوقع ان توعز الى اسرائيل للتحرش بها. فاسرائيل تمتلك المبررات لذلك بحكم حالة الحرب الساكنة بينهما منذ عام 1973. وقد تدّعي اسرائيل اتهام سورية بالتحضير للهجوم عليها، وبالتالي حسب المفهوم الامريكي من حق اسرائيل القيام بضربة استباقية اجهاضا لحرب سورية محتملة ضدها؟!.. وكل شيء جائز بالعرف الامريكي!؟.. الخارج عن القانون الدولي والشرعية الدولية.
في عام 2011 فوجئنا وفوجئ العالم بموجات ما يسمى بالربيع العربي؛ ومن طبيعة الولايات المتحدة انتهاز المتغيرات الدولية لتحقيق اغراضها؛ فاستغلت تلك الظروف لتنفيذ خططها في قانون محاسبة سورية، وغذّت المعارضة السورية في الداخل والخارج، وجلبت هي وحلفاؤها الاقليميون بطرق التهريب الى الاراضي السورية جحافل القاعدة "داعش واخواتها" والمرتزقة من الاسلاميين المتشددين من جميع انحاء العالم ليحاربوا النظام في سورية تحت ما يسمى بالربيع العربي. واوعزت الى حلفائها دول النفط وتركيا بتسليح وتمويل وتوفير الخدمات اللوجستية لأولئك المجموعات المسلحة لتحارب في سورية، وتسقط النظام بالنيابة عنها؟! دون ان تخسر مالا او جنودا..
لقد مضى على الحرب في سورية قرابة خمس سنوات، وما زالت تلك المجموعات المسلحة تعيث فسادا في سورية: قتلا وذبحا وحرقا وتدميرا للبشر والحجر وكل أسس الحياة؟!!
انها السياسة الامريكية المعنية بترسيخ الخلاف والنعرات المذهبية والطائفية والاثنية بين شعوب المنطقة لتسهيل تمزيقها وتحقيق خطة الشرق اوسطية بكل الوسائل اللاإنسانية وبعدها تكون لها الهيمنة الكلية على النفط العربي كله، ويتم لها وللكيان الصهيوني تصفية القضية الفلسطينية، وتأمين الامن والسلام والاستقرار لاسرائيل وكيانها الصهيوني المغتصب الدخيل. وأعتقد ان ذلك صعب المنال، ولن يتحقق لأمريكا ما تريد!!
(العرب اليوم 2015-04-13)