مطالب نيسان والحراك لا تزال معلّقة

نعيش هذه الأيام أجواء هبة نيسان، التي بدأ فيها تاريخ جديد في الأردن، غادرنا مرحلة الأحكام العرفية، وانطلقنا إلى مسيرة ديمقراطية (لاحظوا مسيرة وليست مرحلة) لا تزال متعثرة إلى يومنا هذا.
وبرغم أن هبة نيسان كانت فتحًا جديدًا في تفكير وعقل الدولة، إلّا أن الخطوات نحو المسيرة الإصلاحية تعثرت كثيرًا، وتباطأت أكثر، وقوِيت شوكة قوى الشدّ العكسي أكثر وأكثر.
تأتي هبة نيسان هذا العام، على وهج المخرجات العقيمة للربيع العربي، الذي استبشرنا به خيرًا، لكنه تحوّل سريعًا إلى خريف خطفته قوى رجعية واجرامية وضعت عصابات داعش في مقدمته، وساهم الاسلام السياسي في حرف بوصلته، كما تأتي ذكرى الهبة يغزوها المناخ الصحراوي المحمّل بالغبار، لكن نسمات نيسان هذا العام محمّلة بأجواء الشتاء وثلوج نيسان الغريبة، لهذا نحتاج إلى الأكثر عقلًا وهدوءًا في مجتمعاتنا، ولا نحتاج إلى عقول المتطرفين.
هذا يفتح على الاطمئنان الزائد عن اللّزوم الذي تظهره الحكومة ورجالاتها في تقويم الأوضاع العامة، وعدم التوقف أمام الأوضاع الاقتصادية الصعبة جدًا التي تعيشها قطاعات واسعة من الأردنيين، ويشي بعقلية غير مرنة واهمة مثلما كان غيرها واهمًا بأن ما يحدث في بلدان أخرى لا يمكن أن يحدث عندنا.
لم تقف مؤسسات الدولة وقفة حقيقية لقراءة وتحقيق المطالب التي بدأت في نيسان، واستمر الحراك الأردني سنوات يطالب فيها، ودخلنا للأسف في تقويم حجم وقوة الحراك ومن يقف وراءه، بحيث انعكس ذلك كردة فعل باردة ومتجاوزة درجات الاطمئنان التي ترى أن الحراك دائمًا تحت السيطرة، ولن يتجاوز المعايير الموضوعة للوصفة الأردنية لأي اعتصام أو مسيرة أو تجمّع.
توقّف الحراك بعد أن شاهد النشطاء ما يحدث في المحيط، وهذا يسجَّل لهم لا عليهم، لكن مطالب هذا الحراك في الاصلاح والعدالة والديمقراطية ومحاربة الفساد، لازالت عناوين لم يتم تحقيقها.
لندقق جيدًا.. لم يكن أحد ــ حتى الأكثر تفاؤلًا ــ يتوقع في لحظة ما أن يحدث ما حدث في جارتنا الشمالية، فلقد كان الأمن مطمئِنًا جدًا، وسياطه طوال أربعين عامًا قد فعلت فعلها في عصب الشعب السوري، وبات مقتنعًا بأنه لا حول له ولا قوة أمام الوضع القائم، لكن ما حصل في الأربع سنوات الماضية، يدفعنا إلى التفكير ساعات بأن الوضع جد خطير، وأننا فعلًا لسنا بعيدين عن فوّهة العاصفة إذا لم نضع الإصلاح الحقيقي على السكة الصحيحة من دون مواربة أو تأخير.
خطر جدًا أن تمارس الحكومة سياسة تقطيع الوقت في ملف الإصلاح، والأخطر أن هذا يحدث فعلًا، حيث لا يتورع المسؤولون عن ترديد معزوفة "إننا غير مستعجلين في قضية الإصلاح، والأفضل أن تتم الأمور بكل هدوء وروية".
أن تنجز مشروعات الإصلاح بهدوء، فهذا فيه وجهة نظر، أمّا أن نقول إننا غير مستعجلين فهذا الخطر بعينه، لأن الوقت كالسيف إن لم تقطعه قطعك.
إن كل حديث عن الإصلاح السياسي الشامل يبقى ناقصًا إذا لم يترافق مع إصلاح اقتصادي حقيقي يحمي حياة المواطنين المعيشية، ويحفظ كرامتهم من العوز والحاجة، وهذا أيضًا لن يتحقق إن لم نشعر جميعًا بأن محاربة الفساد ومحاسبة الفاسدين أولوية قصوى، ويجب ألّا يتم التعامل معها بالقطعة وحسب الوزن.
(العرب اليوم 2015-04-13)