الحب عند الإسلاميين بين الاقتراف والاحتراق والاحتراف... «قراءة في زنابق أيمن العتوم»

تم نشره الأربعاء 15 نيسان / أبريل 2015 01:35 صباحاً
الحب عند الإسلاميين بين الاقتراف والاحتراق والاحتراف... «قراءة في زنابق أيمن العتوم»
د. ديمة طارق طهبوب

شعر «مسبسب»، وصحة بائسة، وهالات حول العينين، وعبد الحليم على الريق، وأغاني الست ليلا، وشعر نزار قباني ما بينهما ورود، وأحلام يقظة، وسرحان دائم، ورغبة في الانتحار، وإما المحبوبة او الموت الزؤام، وبهذه الأعراض تكتمل فيك صفات العاشق الولهان لهيفاء فاتنة ليس مثلها في النساء اللواتي تعرفهن، بل ربما هبطت على الكوكب لك وحدك!
هذه جزء من صورة الحب والحبيبين وسلوك الحب الذي انتشر في مجتمعاتنا بسبب عصور من الاختطاف الاعلامي والادبي من أصحاب صنعة امتهنوا التغريب والتقزيم والاسفاف حتى أصبح الحب والاثم والخطيئة يتخلقون في رحم واحدة ولا يمكن النجاة لمن أراد أن يسلك هذا الدرب!
بل بات منظرو الفضيلة بحاجة للغوص في قديم النصوص والحكايا والسنن والسير لاثبات ان الحب أصل كل شيء، وكمال العلاقة بين الخالق والمخلوق، وان الحب ومعانيه والرحمة وتجلياتها صفات أهل الجنة، ولم يفلح المجددون والاسلاميون بصورتهم ولقبهم الجديد بدرء تهمة الغلظة والجفوة والقسوة عنهم، بل لكثرة ابتلاءات المسلمين أصبح هناك من يقول بضرورة تربية الاجيال على الشدة وعدم الخوض في المشاعر درءا للفتنة وحفظا للعفة حتى أصبح الحب في صفوف المتدينين شعورا نكيرا مستهجنا أو جريمة! وكأن على المرء ان يمضي شبابه خصوصا في محاربة ذلك الجزء الاساسي في جسده، قلبه، عندما يشك مجرد شك أنه يدق بأكثر المشاعر طبيعية وانسانية وصدقا الا وهو الحب!
سُرق الحب من الوسط الطاهر الفضيل وأخرجه الفضلاء من دائرتهم بدل ان يوجهوه ويستثمروه ويحفروا له قنوات الانسياب الصحيحة التي تعمر الفؤاد وتسقي الحياة، فالتف حوله الأدعياء والسوقة والتجار وحولوه الى سلعة بخس تباع وتشترى بدراهم معدودة!

الفارس المغوار يمتطي صهوة الحب:
في هذه الأجواء المحافظة الإنكارية والاستنكارية امتطى العتوم جواد التغيير ليجلي الصورة ويبرز من أتون المعمعة وغبار التضليل صورة طاهرة ونسخة أديبة أريبة مهذبة يخط من خلالها خارطة طريق لمن أراد أن يحب بعفة ويعشق بأدب ويكمل في نور القبول ليقول بيدي لا بيد النخاسين سأكتب سيرة الحب لمن أراد أن يكون له الحب جمالا واكتمالا وعتقا لا عذابا وهروبا واختفاء ورِقّا!
ولذا يقول في قصيدة حبيبتي كيف أنسى؟!
وكل ما كتبوا في العشق أنسخه
وأنسخ العشق والحيرى ومن عشقوا
ويزيد في قصيدة لك الذكرى في تبرئة الحب فيقول:
أخاطئة؟ والحب ليس خطيئة
وما كان إجبارا ولا نيله قصرا
أعاشقة؟! والعشق أحلى هدية
كلانا يمور العشق في قلبه مورا
أصامتة؟ والصمت أجمل عندما
يظل كلام الحب في أمرنا سرا

النساء عندما يكتمل النقصان:
خدعوها وتلاعبوا بها في الميادين وسلخوها على كل المذابح وجعلوها مسؤولة عن كل الخطايا عندما يريدون، وبيدها مفاتيح الجنة عندما تحركهم شهواتهم، الملكة الجارية ومرتع الاهواء تتشكل حسبما يريدون!
ينقلب العتوم على هذا الازدراء للمرأة ومع انه يقدمها كملهمة للشعر والحب الا انها في دورها هذا تفوح بعطر الفضيلة وتتجمل بحياء قوي لا خجل ولا غنج مصطنع، يحبها قلب ملىء بالايمان، راسخ في الطهر، متين في الاحترام، فالمرأة التي قصرها بائسو الفهم ومحددو الافق على صفات النقص ومثالب النقصان قدمها العتوم بكمال الحساسية والشاعرية، فالحب صناعة المرأة وما وجدت حواء الا لتكون الروح في هذه الحياة ودفق الدم في الاوردة ونبض الخفقان في القلوب
وفي هذا يقول العتوم:
من بعض نورك هذا الصبح يأتلق
من كان يدرك أني فيك أحترق؟!
لا تطلبي الشعر مني كيف تطلبه
من أبدعته؟! ومن كفيك ينبثق
ماذا تفيد عباراتي وقد بليت
لولاك؟! فهي جديب موحش خلق

الحب كالجوهرة:
برغم النشر العلني للقصائد الا أن العتوم يقدم الحب كعلاقة شديدة الخصوصية بين الحبيبين وكأنهما آدم وحواء يخترعان الحب من جديد ويكتبان لغة الخطاب صمتا وكلاما وإقداما واحجاما وقربا وبعدا، الا أن قصائد العتوم تدندن أن أنبل الحب ما خفي عن الأعين، ولم تلكه الألسن، وباحت به العيون نظرة، والاجسام رجفة، والحياء اطراقا، والقلب اشتعالا، والبصر غضا، والروح سموا، أما الجعجعة بدون طحن، واللهو بغير حق، الثرثرة بلا نفع فغواية لا يعول عليها وعندها يكون الشعر هوى فارغا وقع على أذن لا ترد الا الصدى، أما حقيقة الحب وكنهه فيحتاج الى قلب خال لم تلوثه الصور والتجارب حتى يدخل فيستقر ويحكم فيتمكن.
وفي ذلك يقول العتوم في قصيدة قالوا حجابك:
يسألنني سر التي أحببتها
ومتى كشفت السر للأغراب؟!
يا طاهرات الذيل لي بين الهوى
أمران: ذنب قصائدي ومتابي
قالوا حجابك ليس فيه فتنتي
ومتى فُتنت بغير ذات حجاب؟!
قالوا: النقاب؟ فقلت أي ملائك
نزلت بأجمل من ذوات نقاب
ولقد تغض الطرف عني عفة
وأغضه دفعا لكل رغاب

الحب اختبار الرجولة:
يظن الشعراء ان الحب معركة حماسة لمن يشعل المشاعر أكثر ويؤجج نيران الرغبة أسعر! وما دروا أن ذاك قد يصلح للناس ردحا من الزمان الا أن الانسان سليم الفطرة يكبر حبه مع تقدم سنه وتغير أحواله، فالمرأة عموما تميل الى الحب الهادئ المستقر الذي يزينه العمل والكلمة الطيبة، فجميل الكلام نتصبح ونمسي به وربما نحتاجه كفيتامين بين الوجبات، ولكن الحب سلوك، فأحب الرجال من يرى الدنيا جسرا للعبور الى حياة الخلود فيفرش لزوجته سجادة صلاة بجانبها تكون مدخلها الى الجنة، الحب ان يكون الرجل حبة الدواء عند سقم الصحة، والعكازة عند اختلال الخطوة، والنظارة عند ضعف البصر، رجل يرى حبيبته سارة أوتيت كل الحسن عندما يظهر الشيب في شعرها ويتجعد وجهها، ويظل يذكرها ولو غاب عقله، ويتزين باسمها ولو ثقل لسانه،
وعلى هذا العهد المجبول بالانفاس ينسج العتوم قصيدة يا زهرة الدحنون فيقول:
وبأن معنى الحب أن نمضي معا
في الدرب دون تردد مأفون
أنا لا أزال على الوفاء كراهب
في ديره سهران منذ قرون
وأقول لو نسي الصحاب محبتي
وقديم أحزاني فلن تنسيني
تمضي السنون وما تغير في دمي
شيء، فلا امرأة هنا تغريني

اقرأ نفسك في المكتوب ولا تقرأ الكاتب:
في بوح العتوم الزنبقي سيجد كل منا شيئا من عواطفه منثورا بين الزهور، سيسترجع ذكرى جميلة او تنطلق منه أنة كبتها زمنا أو ينفرج ثغره عن مبسم لوصف جميل فقد نجح العتوم في الزنابق ان يشكل لوحته من موازييك نفوس المحبين جميعا وما عليك الا ان تبحث عن الزنبقة التي تلائمك، فالحب ليس سيرة فردية شخصية وليس علاقة محصورة بين رجل وامرأة، انه سيرة الانسانية جمعاء وكل انسان على الارض قد كتب فيها سطرا
يقول العتوم في قصيدة غياب العودة:
إني حببتك حبا لو توزعه
قلب بكل قلوب الناس لانفطروا
أنا (المسيح) بآلام تمزقني
وحزن (يعقوب) حتى ينطفي البصر
وصبر (أيوب) والأدواء تنهشه
وسجن (نوح) على الطوفان ينحصر

الحب احتراق:
الحب مؤلم لا ريب ولكن يبدو ان تراكم التجربة الانسانية يثبت انك اذا لم تذق علقمه فلن تتلذ بشهده، وان عسله محمي بإبر نحله، فالحب في ديوان قصتنا جميعا من يوم دق ذلك العضو المتعب غير دقة الحياة الاعتيادية، فانقلبت حياتنا بين وردية إقباله ان أقبل، وسواد دنيانا كلها ان غاب، ويا للعجب كيف لدَقَّةٍ ان تجندل الشديدين من الرجال فيصمدون في كل الساحات بينما يهزمهم ميدان الحب!!
فالشاعر الصنديد يعلن هزيمته واستسلامه ويضع أسلحته في قصيدة نبع القصيدة من عينيك أبدؤه قائلا:
أغالب الشوق ليت الشوق ما غلبا
وأحمل العمر هذا القلب مضطربا
مبعثر، متشظ، غاضب، نزق
مكابر، خائف من نفسه هربا
متى سيعتق قلبي من صبابته
أو يستريح من الأوجاع من تعبا؟!
لقد قضيت قصير العمر أسأله
ولم أجد لصباباتي بكم سببا

احتراف الحب:
اذا لم تعتد الرضاع من الهوى، ولا غصت في بحور السابقين واللاحقين، فستجد في ديوان العتوم وجبة دسمة قد تشرق بها اذا لم تستسغ العذوبة حتى في الالم، الا أن العتوم ينجو من مزالق الاستغراق في التجربة الفردية وينجح في الخروج من رماد الاحتراق ذهبا خالصا، ويضع روحه مهرا خاطبا ود الوطن الذي يعلو حبه الى درجة الإيمان
فيقول في قصيدة أنات مرتقب:
لك اللواء الذي ما زال مرتفعا
حبي لأرضي وتقديسي لها أبدا
أموت كي لا أرى فيها قراصنة
ومن تحكم في خيراتها وعدا
أما رأيت كلاب الهود راتعة
وكل غاز على أرباضها قعدا؟!
لن يرغمونا على التسليم ان ركعوا
فما ركعت ولا يوما مددت يدا
هكذا ينهي العتوم الديوان وقد عانق حبه الدين والوطن والانسانية، وأصبحت الحبيبة جزءا من كل هؤلاء ومكونا لكل جميل، استطاع العتوم ان يذلل مادة الحب فعجنها وشكلها وقولبها بيد محترف تطاوعه الكلمة وترضخ له العبارة ليقدمها في أجمل ثوب واجلى فكرة وأنصع شعور وما زالت حديقته ظليلة وزنابقه جميلة وانتاجه وفير وإنا لجديده لمنتظرون
وما زال في العمر يوم أغر وفسحة لحب وأمل بلقاء وتجديد لعهد:
تخيلي أن عند الله قصتنا
وأنه سوف يقضي بالذي يجب
أنا.. أنا لك أشعاري ومحبرتي
وخاطري والجوى والروح والعصب
حبي بلادي أذاب القلب من كمد
وغص بالدمع هذا العاشق الوصب
سيعلمون غدا من كان مندحرا
ومن له اليوم هذا النصر والغلب

(السبيل 2015-04-15)



مواضيع ساخنة اخرى
الإفتاء: حكم شراء الأضحية عن طريق البطاقات الائتمانية الإفتاء: حكم شراء الأضحية عن طريق البطاقات الائتمانية
" الصحة " :  97 حالة “حصبة” سجلت منذ أيار لدى أشخاص لم يتلقوا المطعوم " الصحة " : 97 حالة “حصبة” سجلت منذ أيار لدى أشخاص لم يتلقوا المطعوم
الملكة في يوم اللاجىء العالمي : دعونا نتأمل في معاناة الأمهات والرضع الملكة في يوم اللاجىء العالمي : دعونا نتأمل في معاناة الأمهات والرضع
3341طن خضار وفواكه ترد للسوق المركزي الثلاثاء - اسعار 3341طن خضار وفواكه ترد للسوق المركزي الثلاثاء - اسعار
الدهامشة : الداخلية وفرت كل التسهيلات لقدوم العراقيين للأردن الدهامشة : الداخلية وفرت كل التسهيلات لقدوم العراقيين للأردن
العلاوين: التوسعة الرابعة ستمكن المصفاة من تكرير 120 ألف برميل نفط يوميا العلاوين: التوسعة الرابعة ستمكن المصفاة من تكرير 120 ألف برميل نفط يوميا
" الائتمان العسكري " : تمويل طلبات بقيمة 13 مليون دينار " الائتمان العسكري " : تمويل طلبات بقيمة 13 مليون دينار
العيسوي يفتتح وحدة غسيل كلى بالمركز الطبي العسكري بمأدبا العيسوي يفتتح وحدة غسيل كلى بالمركز الطبي العسكري بمأدبا
الصحة: مخزون استراتيجي للأمصال المضادة للدغات الأفاعي الصحة: مخزون استراتيجي للأمصال المضادة للدغات الأفاعي
بالاسماء : تنقلات واسعة في امانة عمان بالاسماء : تنقلات واسعة في امانة عمان
عضو في لجنة الاقتصاد النيابية: بطء شديد في تنفيذ رؤية التحديث الاقتصادي عضو في لجنة الاقتصاد النيابية: بطء شديد في تنفيذ رؤية التحديث الاقتصادي
إخلاء طفل من غزة لاستكمال علاجه بالأردن إخلاء طفل من غزة لاستكمال علاجه بالأردن
تسجيل 14 إصابة بالملاريا جميعها إصابات وافدة منذ بداية العام تسجيل 14 إصابة بالملاريا جميعها إصابات وافدة منذ بداية العام
ملك إسبانيا : الأردن هو حجر الرحى في الاستقرار الإقليمي ملك إسبانيا : الأردن هو حجر الرحى في الاستقرار الإقليمي
الملك : حل الدولتين أساسي لتحقيق السلام والازدهار في المنطقة الملك : حل الدولتين أساسي لتحقيق السلام والازدهار في المنطقة
الهواري يؤكد أهمية ضبط العدوى لتقليل مدة إقامة المرضى في المستشفيات الهواري يؤكد أهمية ضبط العدوى لتقليل مدة إقامة المرضى في المستشفيات