غزة: الهدوء الذي يسبق العاصفة

عندما تم التوقيع على اتفاق الهدنة بين الفلسطينيين وإسرائيل في العام الماضي في مصر، جرى الاتفاق على أن تبدأ المفاوضات غير المباشرة لمناقشة الملفات العالقة والمطالب المتبادلة لكل طرف.
بالنسبة للفلسطينيين، كان أهم مطلب هو إنهاء الحصار المدمر على قطاع غزة، لأنه أدى الى شلل في القطاع، إضافة لحقوق الصيد، واعادة تأهيل المطار في غزه وفتحه للملاحة من جديد. في المقابل، فإن المطالب الإسرائيلية تتلخص في نزع سلاح "حماس" و"الجهاد الإسلامي" وغيرهما من التنظيمات الفلسطينية المسلحة.
لكن بعد أشهر طويلة من الهدنة، وبعد مؤتمر إعادة إعمار غزه الذي عقد في القاهرة، وتم خلاله الالتزام بتوفير ما يقارب أربعة مليارات دولار، لم يتغير الوضع كثيراً عما كان عليه قبل الحصار. فلم تأتِ مساعدات كما وعد المانحون، ولم يتم إجراء مفاوضات لإنهاء الملفات العالقة، واستمرت الأمور كما هي تقريباً باستثناء زيادة معاناة أهل غزة بسبب النتائج المدمرة للعدوان، وتفاقم آثار الحصار.
الظروف الإقليمية ليست مواتية؛ فالعالم مشغول بالحرب على الارهاب، ومصر مشغولة بملفاتها، وبخاصة الأمنية، كما أن علاقة "حماس" مع مصر في أسوأ أحوالها، والعلاقة بين السلطة الفلسطينية و"حماس" وصلت الى طريق مسدودة، ولا يوجد اتفاق على أجندة فلسطينية مستقبلية. هذا علاوة على انشغال إسرائيل بالانتخابات البرلمانية، والآن تشكيل الحكومة الجديدة. والنتيجة هي استمرار الحصار ومعاناة الشعب الفلسطيني في غزة التي أفاقت بعد الهدنة على حجم دمار مذهل ومعاناة غالبية السكان، وعدم قدرتهم على تلبية أبسط احتياجاتهم من المسكن والماء والطعام.
في الأنباء قبل عدة أسابيع، دار الحديث عن هدنة دائمة بين الإسرائيليين والفلسطينيين في غزة تتم مناقشتها خلف الأبواب، ورغبة مساوية أو عدم ممانعة في ذلك لدى الطرفين. لكن لم يترجم ذلك بعد على أرض الواقع. وإسرائيل ليست في عجلة من أمرها، فما عجزت عن تحقيقه بالحرب تسعى لتحقيقه من خلال الحصار. في المقابل، فإن التأخير في الإعمار أو في التوصل إلى حل لمسألة الحصار والمطالب الأخرى، يغير في "حماس" التي بدأت شعبيتها تتآكل بسبب الدمار والحصار، وتفاقم المشكلات المعيشية للمواطنين في غزة. وإسرائيل تعرف هذه المعادلة، وتريد أن يأخذ الحصار مفعوله، وأن تتحاور مع "حماس" وهي في أضعف أحوالها؛ ليس من الناحية العسكرية، بل تماما من ناحية مشروعية الحركة وشعبيتها. وهي استراتيجية معروفة، حتى تتمكن إسرائيل من أن تحقق أكبر المكاسب في حالة أي حوار غير مباشر. و"حماس" تدرك ذلك، لكن ليس بيدها حيلة لتعجيل التوصل إلى اتفاق، خصوصاً أن مصر؛ الراعية التاريخية لهذا النوع من المحادثات، لا تحمل الود للحركة بسبب حربها على "الإخوان المسلمين" في مصر، وادعائها بدعم "حماس" لهم خلال الثورة المصرية.
في ظل أجواء كهذه، وحتى تتحرك الأمور، يبدو أن الطرفين، وقد تكون "حماس" أكثر، يحضّران ويستعدان لحرب جديدة في غزة. وسيكون الهدف الرئيس منها لـ"حماس" الخروج من عزلتها وتحريك الأمور باتجاه حلول سياسية. أما بالنسبة لإسرائيل، فهي حرب جديدة تساعدها في إضعاف "حماس" أكثر، ومحاولة الحصول منها على تنازلات أكبر، لا يمكن الحصول عليها في ظل الوضع الراهن. وإذا ما أضفنا لذلك حالة العجز والوهن التي تمر بها السلطة الفلسطينية، والارتباك الذي تعيشة لأسباب مختلفة، فإن ذلك يزيد من حالة انسداد الأفق فلسطينياً ويؤدي إلى تفاقم الأمور.
إن أهداف الحرب على غزة لم تنجز؛ لا إسرائيلياً من خلال محاولة نزع سلاح المقاومة، ولا فلسطينياً من خلال رفع الحصار. لذلك، فإن الوضع الراهن غير قابل للاستمرار. ويبدو أنه لا توجد خيارات كثيرة أمام الطرفين، ولاسيما أمام الفلسطينيين. لهذا، يبدو أنهما يحضران لجولة جديدة من العنف في غزة، يكون هدفها إنهاء ما لم يتم إنهاؤه في العدوان العام الماضي.
ستكون أهداف الجولة المقبلة إن حدثت تحريك الوضع السياسي من أجل التوصل الى اتفاق، وليس لإعادة احتلال غزة أو لتحرير فلسطين. وقد يكون ما نشهده الآن في غزة هو الهدوء الذي يسبق العاصفة.
(الغد 2015-04-16)