ارتياب من حوار الحكومة والأحزاب

مع أنني من دعاة الحوار بين الأطراف الرسمية، ممثلة في الحكومة ومؤسسات العمل العام جميعها والمجتمع المدني وعلى رأس الكل الاحزاب، إلّا أنني بالمتابعة الحثيثة، بت أشعر بارتياب شديد كلما سمعت عن بدء حوار بين الحكومة والاحزاب.
أمس، التقى رئيس الوزراء الدكتور عبدالله النسور وفريقه السياسي قادة الاحزاب الاردنية، مع ان احد القادة الجدد للاحزاب اعترف قبل اللقاء "بان الوضع الحقيقي للحياة الحزبية حاليا في البلد وكأنه لا يوجد احزاب"، وعلى كل حال لم يخطئ كثيرا.
القلق من هذا اللقاء انه يضمر خلفه قضية ما تريد الحكومة تمريرها، وقد فعلت اكثر من مرة عندما كانت تلتقي بالاحزاب وغيرها من مؤسسات المجتمع المدني ورجال الاعلام، عندما كانت تريد تمرير قضية اقتصادية مرتبطة برفع الاسعار، او قرار غير شعبي، وتعتبر هذه اللقاءات حوارات وطنية تظهر وكأنها موافقة على القرار الحكومي، يتبعها تمرير مريح من قبل مجلس النواب، وفي النهاية يخرج القرار بتوافق الجميع.
ما يجري من لقاءات فعليا، ليس حوارا وطنيا، بل اطلاع هذه النخب على ما تريد الحكومة اقراره، وبعد ان انتهت الحكومة من حزمة القرارات الاقتصادية الصعبة، التي يقول عنها السياسي الخبير النائب السابق الدكتور ممدوح العبادي: "ان الاصلاحات الاقتصادية التي قامت بها حكومة النسور لم تفعل شيئا، ويحتاج الوضع الاقتصادي الى عناية فائقة بعد ان زادت المديونية 7 مليارات دينار في عهد الحكومة الحالية". تريد الحكومة الان الانتقال الى القوانين السياسية.
لقاءات الرئيس وطاقمه الوزاري مع قوى مجتمعية تعد شيئا محمودا، لكن لا بد من الانتباه إلى أن الفترة الماضية أوجدت قوى وممثلين لحراك الشارع الأردني تجاوزت في أهميتها وثقلها الأحزاب التقليدية والأسماء التاريخية. وهذه القوى هي الأولى بلقائها ومحاورتها والاستماع إليها، طبعا ليس على طريقة أن يكون الهدف المضمر من اللقاء الاحتواء، بل الإصغاء إلى رؤيتها وتوجهاتها ومطالبها، وهذا أنفع وأكثر إنتاجية، وهو الذي يحدد كيف علينا صياغة خريطة الطريق للمرحلة المقبلة.
هذه اللقاءات على أهميتها لا تغني عن ضرورة أن تقف الحكومة بجدية امام الشعور بالقلق البالغ الذي ينتاب المواطنين والمشتغلين بالعمل العام إزاء الاوضاع الاقتصادية الصعبة التي تمر بها البلاد، وهذا لا يمنع او يعطل ان تنجز الحكومة قوانين الاصلاح التي تتحدث عنها، بدءا من قانون البلديات والاحزاب واللامركزية، للوصول الى قانون الانتخاب، ولم افهم المغزى الذي انطلق منه وزير الحكومة السياسي الدكتور خالد الكلالدة، في نفيه لموقع "عمون" ان الاجتماع لا علاقة له بقانون الانتخاب.
في القلب من مشروع الإصلاح الوطني الديمقراطي الشامل، يجب أن تتصدر القوانين ذات الصلة المباشرة بمصالح الفقراء وأبناء الفئات الاجتماعية المتوسطة أولى اهتمامات السلطتين التنفيذية والتشريعية، إلى جانب قوانين الإصلاح السياسي بالغة الأهمية لإحداث التغيير الديمقراطي المطلوب بأقل التكاليف الممكنة، وعبر ممرّات سلمية يقظة جادّة وآمنة، من دون التفاف رسمي على المطالب الشعبية التي عبّر عنها الشعب الأردني بصراحة ووضوح شديدين في الفترات الماضية.
فحذار الوقوع في فخّ التجاهل للمطالب الشعبية، والأمنيات في العيش بكرامة وطنية وإنسانية.
(العرب اليوم 2015-04-21)