مأدبا..لا غبار على الفسيفساء!

أن تكونَ سائحاً في بلدك أمرٌ معيبٌ لكنه واقعي، خاصة ان كان بلدك بحجم قلب . ومن المعيب اكثر أنْ تدعي معرفة منطقة ما فيه من خلال مرورك بها في الشارع العام او من خلف زجاج سيارتك او اثناء رحلة مدرسية قمت بها وانت في الصف الثالث الابتدائي او مما قرأت عنها او شاهدتها على التلفزيون اثناء زيارة مسؤول تم الإعداد لزيارته بعناية تافهة ! أن تعرفَ بلدك ليس واجبا وطنياً بل حقا عليك لنفسك ان تتمتع بجمال هو لك وبين يديك وعلى مرمى وردة منك . وما عليك الا ان تخلع عنك تكشيرتك وتظاهرك بأنك جدي لا يهمك «مثل هذه الامور « ، وان تنزع عنك لقبك او مسماك الوظيفي وتخرج من الاطار الى الصور الجميلة التي رسمتها يد الخالق في الارض، وفي بلدك لوحات من ابدع ما صنع . لكل فصل لونه ونكهته وطعمه .ربيع صيف خريف شتاء، الوان لا تبهت إنْ نزل عليها المطر، وان جفت تصبح اجمل . اوراق خضراء تصبح صفراء كالذهب حين تسقط على الارض، هي الأشجار تبدل ثيابها لتأتيك في الربيع المقبل جديدة جميلة، كلها في بلدك، لك . ولك -ايضاً- ما حبلت به الارض لتأكل أنت، وما حملت به الاشجار لتتذوق حلاوة فاكهة فيها لذة وفيها شفاء. منذ بضع سنوات قررت ان اخرج في يوم اجازتي من قفص عمان الذهبي الى فضاءات بلدي .اتمتع والعائلة وخاصة «سوار الذهب» حفيدتي حبيبتي، بالحجارة التي تحكي، بالاشجار التي تمشي، بالسهول التي تنام في الشتاء في حضن ترابي احمر وفي الربيع تصحو سنابل تعانقها الريح فتخضر وتكبر تكبر، انها أم الرغيف الذي يلهث الناس لقطفه من يد الزمن .شهي يخرج من الفرن برائحة ساخنة، ساخنة كرائحة وطن . لوحات على مد البصر لنباتات من كل لون وشكل، هبة الله للبشر الذين لم يعودوا يرون الا الحجارة البيضاء والشوارع السوداء .امتلأت عيونهم إما بالارقام الصماء او غبار ضنك العيش في غابة بشرية وحوشها القوية تأكل الضعيفة وبعضها يطحن بعضها من اجل وجبة غداء او عشاء في كهف لا ضوء فيه سوى عيون تقدح بالشر والشرر استعدادا لمعركة اليوم التالي . في بلدنا كنوز تراث ربانية وفيها مرً او عاش الرسل والانبياء، إنها سرة الأرض وبطن البشرية . جولة الخميس الماضي كانت في روعة مأدبا التي اخجل أن اقول، إني أزورها لأول مرة والى جبل نيبو الذي لا اخجل ان اقول انني وددت ان ابقى هناك، اتتبع خطى الانبياء وأشم رائحة التاريخ الذي مضى ولم يمض، ولجبل نيبو حكاية أخرى .مأدبا جارة الامكنة المقدسة، تدخلها فتتفتح رئتاك ليدخل الجمال بكامل خضرته ويدعوك التاريخ لتجلس في حضرته، يقص عليك اجمل القصص ويحدثك عمن مرّ من هنا ذات زمن ومن بقي ليكتب الزمن الآتي . اما الحاضر فهو اردني عربي مثال للتعايش بين ابنائه، فالناس هنا هم ابناء الارض لا يفرقهم دين او أصل او فصل او..جد الجد . انه انصهار النقاء بالصفاء والطيبة بطين الارض . إنها الفسيفساء الجميلة التي نقشتها الأيام في نفوس الناس وعلى وجه الأرض . هنا التاريخ يتنفس، الهواء نقي كالنور، هنا الطريق إلى الأراضي المقدسة .
(الدستور 2015-05-02)