في مضمون دعم المنجزات الطبية

بين يوم وآخر، يفخر الأردنيون بقراءة أخبار سارة عن منجز علمي في مجال الطب. فضمن ظروف بالغة التعقيد، اقتصاديا وأمنيا على مستوى المنطقة، تمكن أطباء وعلماء أردنيون من إحداث فرق في التخصصات التي يعملون فيها، ببحث علمي جاد، يؤمّل أن يتم دعمه بشكل حقيقي لا دعائي.
ففي الأسبوع الأخير، أطلقت مجلة علمية محكمة، تتبع لجامعة أوكسفورد، اسم "متلازمة الرقاد" على مرض وراثي جديد، اكتشفه الطبيب العقيد محمد الرقاد، بمساندة الاستشارية في الوراثة السريرية الرائد سماح الطوالبة. وهو جهد كبير استغرق أكثر من أربع سنوات، قدمت فيه الخدمات الطبية الملكية كل عون ممكن لإنجاح الدراسات، كما اقتضى الأمر اللجوء لمختبرات متقدمة تكنولوجياً في سنغافورة وفرنسا والولايات المتحدة الأميركية.
يقول الطبيب الاستشاري الرقاد إن المنطقة العربية تزخر بمادة ثرية للبحث في علوم الوراثة والعوامل الجينية، في الوقت الذي تتوفر فيه المختبرات المتقدمة لهكذا أبحاث في دول متطورة تكنولوجياً، لديها مختبرات ذات شأن تفصيلي في مجال هندسة الجينات. والمأمول لدى الباحثين هنا تشكل وعي إقليمي بهذا الأمر، يساعد في تأسيس مختبرات تسهم في تطوير هذه العلوم على المستوى العربي.
وخلال الأيام الماضية، أيضاً، تمكن أطباء أردنيون كذلك من تحقيق تقدم بمعالجة طفلة مريضة بالسكري عن طريق الخلايا الجذعية. وجاء ذلك إثر نجاح فريق طبي أردني وأميركي في إيقاف الهجوم المناعي على البنكرياس، وزراعة خلايا جذعية من أربعة مرضى بالسكري في البنكرياس من دون جراحة. ويقود هذا الجهد الكبير الدكتور أديب الزعبي؛ المدير التنفيذي للشبكة العربية المعلوماتية للخلايا الجذعية.
وفي سياق ذي صلة، أجرت الطبيبة الرائد أمل الثوابي؛ اختصاصية قرنية العين، عملية هي الأولى من نوعها على مستوى المملكة، بزراعة قرنية جزئية -الطبقة الداخلية من القرنية- لمريضة كانت تعاني من تورم القرنية. وثمة تطور بحثي وعلمي لا يستهان به، ويستحق الدعم، في مركز الحسين للسرطان، ومستشفيات أردنية أخرى، يتصل بأمراض مزمنة، علاوة على مرض السرطان.
غير أن كل النجاحات التي تسجلها هذه النخبة المهنية الكبيرة، تحتاج إسنادا تقنيا وماليا، كي يتسنى لها المضي في حقل المعرفة والتطوير. وفي تقديري أن الأمر يحتاج إلى مركز إبداعي، يجمع كل هذه المنجزات ليسندها بأدوات ومختبرات البحث العلمي المتقدمة، حتى لا يبقى الإبداع والمنجز الطبي في بلادنا مسألة فردية أو معزولة، تخص هذه المؤسسة الطبية تارة، وتكون في أخرى تارة ثانية، من دون إطار مرجعي مسند بأدوات دعم حقيقية.
وللأسف، ما تزال الدول العربية ضمن خطواتها الأولى في البحث العلمي، ولا يصل الإنفاق على الأبحاث العلمية نسبة 1 % من الناتج المحلي الإجمالي لأي دولة عربية. وتفيد الدراسات بأن العالم العربي ينفق مليارا وسبعمائة مليون دولار فقط على البحث العلمي سنويا، وهو ما يعادل حجم إنفاق جامعة واحدة مثل جامعة هارفارد. كما تبلغ حصة الفرد العربي الواحد من الإنفاق على البحث العلمي أربعة دولارات سنويا فقط، مقارنة مع 972 دولارا في إسرائيل.
لقد تمكن أطباؤنا من تحقيق سمعة استثنائية للبلاد، بقدرات محدودة. ويسجل للخدمات الطبية الملكية في الجيش العربي، ولمركز الحسين للسرطان، ولمستشفيات ومراكز أردنية ترعى البحث العلمي، هذه المنجزات التي تؤسس لتنافسية يستفيد منها الاقتصاد بأشكال شتى. لكن الأمر يحتاج إلى دعم أكبر، بما يجمع كل هذه الطاقات ضمن مراكز بحثية ومختبرات متطورة، بدل التوسع في الإنفاق العام على مظاهر وأشكال لا تجلب سمعة، ولا تخدم الاقتصاد.
(الغد 2015-05-09)