الناس «بردانين» دولة الرئيس

يخرج وزير المالية على شاشة التلفزيون الاردني متفاخرا بالارقام التي تحسنت في المالية العامة للدولة، لكنه لا يبرز شيئا يبرهن فيه ان هذا التحسن قد انعكس في حياة المواطنين، ويهرب الى ان شعور المواطن بالامن والامان له تكلفة عالية على ميزانية الدولة.
يتحمس اكثر، ويتفاخر بان الحكومة اوقفت التعيينات في الوظائف الحكومية جميعها، ما عدا وزارتي الصحة والتربية، وعندما يصل إلى إجابة؛ ماذا يفعل جيش المتعطلين من العمل بعد قرار وقف التعيين؟ يقول: ان الدول الشقيقة لا تزال ترحب بالطاقات الاردنية الشابة، اي بصريح العبارة، ان اقرب طريق لمستقبل الشباب طريق المطار.
الوزير يقول بالحرف: "إن أحد أهم أهداف برنامج الإصلاح المالي والاقتصادي هو الحد من التزايد الكبير في المديونية (لاحظوا كلمة التزايد) الذي يشكل هاجسا لنا جميعا، ومن حق المواطن الأردني أن يتوقع بعد هذا الكم من الإصلاحات أن يتحسن وضع المديونية ولو تدريجيا".
لكنه في الفقرة الثانية من تصريحات لوكالة الانباء الرسمية يتناقض مع الفقرة الاولى، ويقول: "ان المتتبع لتطورات المديونية يجد أن النمو في المديونية أخذ بالتراجع؛ حيث ارتفعت المديونية خلال عام 2014 بأقل من 1 من مئة، ومن المتوقع أن تكون الزيادة في المديونية أقل من الزيادة في إجمالي المنتج المحلي اعتبارا من هذا العام.
منذ لحظة تَسلُّم النسور زمام حكومته الاولى، اختصر كثيرا في احاديث السياسة، خاصة الشؤون الداخلية، واشتغل في الاقتصاد والموازنة والعجز، التي قال عنها اكثر من مرة انه شاهد اوضاعا كارثية وصعبة في حال المالية العامة، التي عالجها من خلال قرارات اقتصادية صعبة، لم تجد حلا لها سوى جيب المواطن.
يعرف النسور وتعرف حكومته ايضا، ويعرف كل صناع القرار في البلاد، ان الاوضاع الداخلية مرتبكة وقلقة، والاوضاع الاقتصادية والمعيشية في صعوبة لم يشهد الاردنيون مثلها في اكثر المراحل حلكة، ويفهم المواطنون ان هناك بخلا من الاشقاء لم يتعودوا عليه، لهذا تحتاج المرحلة الى وقفة جادة وحقيقية، وتحتاج معالجة القضايا الفرعية الامنية وغيرها الى عقل بارد، ومن دون استعراض، وان يكون اساس العمل توحيد الناس، وتماسك الجبهة الداخلية، وهما بكل الاحوال أهم بكثير من اي حلول اقتصادية ترقيعية.
توحيد الناس داخليا على مجمل القضايا الوطنية، وفتح حوارات جادة مع جميع قوى المجتمع، المؤيدة منها والمعارضة، قضية في غاية الخطورة، نظرا لما يُجرى في الاقليم، وفي الجوار تحديدا، لان ترك التفاهم الداخلي على القضايا الوطنية والاقليمية، من الممكن أن يكون بوابة عبور لفوضى لا احد يريدها، ونزاعات لا احد يعلم الى اين تصل مدياتها.
الحوار مع قوى المجتمع من احزاب ونقابات ومؤسسات مجتمع مدني، ليس فقط مقتصرا على قوانين الاصلاح، لاننا لسنا في بحبوحة توزيع الغنائم، فالاوضاع صعبة، وأصعب مما يتخيل بعضهم، والصعوبة ليست مقتصرة على الجانب الاقتصادي والمعيشي للناس، بل تتعدّاه الى الشعور بعدم الاطمئنان والامان على كل شيء، حتى ازدحمت الصحافة الغربية في الفترة الماضية باخبار التحذير من اشهر الصيف في الاردن، وأن حزيران الاردني سوف يكون ربيعا مختلفا.
لا يجوز ان يبالغ النسور في كاريزما المناورة، والقدرة على الاقناع، والدهاء السياسي، التي يملكها، لان كل ذلك لا ينفع اذا فلتت الامور، فالامن "مكسور الظهر من اللاجئين السوريين"، والمخزون الاستراتيجي من الادوية في محافظات الشمال في اوضاع صعبة، والمخزون المائي في مراحل خطرة، وهناك احتقان شعبي من ضعف مكافحة الفساد الحقيقي، ومن اخطاء امنية لا تقل خطورتها عن اشعال النار امام محطة وقود، وخيبة أمل من الاداء العام في البلاد، التي تسير "على البركة".
ترتفع الحرارة يوميا بشكل لافت للنظر، في مقدمة لصيف قايظ، لكن برغم ذلك يشعر المواطن ببرد شديد، ويعيش الناس في قشعريرة، والله يستر.
(العرب اليوم 2015-05-11)