لا خطوط حمراء أمامها!

لا خطوط حمراء أمام حكومة د. عبدالله النسور؛ فكل قرار وارد، ولا بأس بمزيد من الغلاء. إذ إن قدرة الأردنيين على الصمود عالية، وتشجع الحكومة، في أواخر عهدها، على رفع أسعار الخبز، بدعوى إزالة الدعم عن القمح الذي يشترى بمبلغ 180 مليون دينار سنويا. وثمة مفارقات هنا؛ فالحكومة التي تشعر ببعض الاسترخاء عقب استطلاعات تغازلها تحت عنوان المزيد من الشعبية، ترى أن رفع أسعار الخبز بات أمرا سهلا يمكن تنفيذه من دون تردد!
تقول الحكومة إن إلغاء الدعم عن القمح لن يغير في سعر الخبز، باعتبار أنها ستلجأ إلى البطاقة الممغنطة، فتدفع الفرق السعري للمواطنين؛ فما الجدوى من رفع سعر كيلو الخبز من 18 قرشا إلى 38 قرشا، وربما يفوق السعر الجديد نصف دينار؟ وإذا كانت الحكومة تستهدف إلغاء الدعم الذي يقدم لغير الأردنيين، فلماذا ترفع الدعم نهائيا، ثم تلجأ إلى وسائل تلتف فيها على الأمر الأساسي؟ وهي وسائل ثبت فشلها في سنوات سابقة، ولنا تجربة مريرة مع دعم المحروقات النقدي؛ إذ أمست المسألة أشبه بذر الرماد في العيون، من دون جدوى أو اثر إيجابي في المنظور الاقتصادي للعائلات الأردنية.
هناك سياق تبريري للقرار القاضي برفع أسعار الخبز، لكنه غير دقيق وغير صحيح. فثمة من يزعم أن الطلب على الخبز المدعوم يتركز في أوساط الوافدين واللاجئين، بينما لا يستهلك الأردنيون إلا 5 % منه. والحديث هنا عن استهلاك الخبز الأبيض الكبير، باعتبار أن الخبز الصغير ليس مدعوما. وهذا أيضا ليس دقيقا. فالدعم بالأساس للقمح قبل تحويله إلى خبز بأشكال مختلفة. وإذا افترضنا صدقية هذا الزعم، فمن الممكن استرداد قيمة الدعم من الوافدين وغير الأردنيين بطرق كثيرة، منها فرض رسوم على التراخيص ووثائق الإقامة السنوية. أما أن تتضاعف أسعار الخبز بهذا الشكل ووسط هذا الغلاء، فإن الأمر ينذر بمصاعب اقتصادية جديدة يدفع ثمنها الأردنيون، خاصة الفقراء منهم.
غير أن جانب الخطورة في المشهد الاقتصادي يكمن في أن القمح أساسي في عدد كبير من السلع، بحيث ستنعكس إزالة الدعم عنه على أسعار الخبز، بداية، والمنتجات كافة ذات الصلة به (القمح)، ثم يتحول إلى باقي السلع والخدمات الأخرى كأحجار "الدومينو". وسرعان ما سنجد أنفسنا أمام موجة، وربما موجات غلاء جديدة في كل شيء، لا قدرة لنا على تحملها أو التكيف معها.
من الواضح أن الحكومة تهيئ الأردنيين لصيف قاس. وتجربة السنوات الماضية تؤكد أن أي رفع لأسعار سلع (أو خدمات أساسية)، كالمشتقات النفطية والقمح وسواهما، يتحول إلى كرة ثلج تتدحرج سريعا، وتنتهي إلى واقع اقتصادي جديد يتسيده الغلاء والشكوى وضعف القدرة.
وعدت الحكومة طويلا، وعلى لسان رئيسها، بعدم المساس بالخبز؛ فهو "خط أحمر". لكن هذه الوعود سرعان ما تهاوت أمام ضغوط صندوق النقد الدولي. ومن الواضح أننا أمام اختبار اقتصادي صعب، سيسبق رمضان منتصف الشهر المقبل؛ وأن الحكومة لا تبالي بالحالة الاقتصادية التي يعاني منها الأردنيون، وقطاعات اقتصادية عديدة.
قرار رفع أسعار المحروقات الذي بدأت به الحكومة الحالية عهدها، أوصل عاصمتنا إلى المرتبة الأولى غلاء بين عواصم ومدن الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. وسيكون قرار رفع أسعار الخبز، في أواخر عهد هذه الحكومة، سببا جديدا في تربع مدننا على عرش الغلاء الأكثر تهديدا، ضمن أرقام عالمية جديدة!
(الغد 2015-05-16)