ويسألونك عن أسباب الفشل!

سر قوة البلدان التي نتغزل بها في مناسباتنا، ليس سوى مجموعة معايير اتفق عليها المجتمع ونخبه، بغية الوصول إلى أعلى درجات الحاكمية والمؤسسية، خدمة لسلامة الاقتصاد ونزاهته. وهي معايير لا يوجد فيها "تعيين شخصية مقربة" أو "توريث وتدوير للمناصب"، أو "فزعات" لمسؤول ما بهدف تعيينه رغم أنف الحكومة، أو سقوط بـ"البراشوت" لشخص مجهول.
في بلد مثل اليابان، يجد المرء معنى للتقدم والنجاح. فليس لدى الشركات اليابانية العملاقة اليوم أي محاذير من البحث عن مدير عبقري من أجل مصلحة الشركة، حتى لو تكلف الأمر التفتيش عنه في كل القارات. ولذلك، تزايدت في الآونة الأخيرة تعيينات المدراء الأجانب الذين يدخلون اليابان لمساعدة شركاتها على البقاء والمنافسة، متسلحين بعقولهم وخبراتهم الفذة، لا الواسطات والقربى والاتصالات والولائم، كما يحدث قبيل تعيين عدد غير قليل من المسؤولين في بلادنا، في القطاعين العام والخاص.
وفي صميم معيارية القوة لدى الإدارة والقيادة، حتى تتحقق العدالة والمساواة والنزاهة بمعناها الحقيقي لا البروتوكولي، يقوم المدراء في اليابان بمسح أحذية الموظفين الجدد في المؤسسات والشركات، لإيصال رسالة مفادها أن لا فروقات بين الإدارة والموظفين، وأن المدير يعمل من أجل تحقيق القيم العليا، وليس منعزلا عن محيطه في العمل أو كارها له.
وفي سنغافورة التي تملك تجربة ريادية في تعيين الموظفين والقيادات على مستوى العالم، فإن وصفة النجاح هناك لم تكن إلا التعليم وتجويده. ولعل معايير تأهيل المعلم في سنغافورة تفوق أي معايير حقيقية أو وهمية لتعيين رؤساء وزراء في العالم العربي. إذ يخضع الأذكياء والمتميزون في الثلث الأعلى من الخريجين في ذاك البلد الآسيوي، لتأهيل نوعي، ودورات تحاكي كل شيء إنساني ونفسي وتربوي وعلمي. أما تعيين القيادات في المدارس والجامعات، فيتسم بمعيارية يصعب اختراقها؛ فلا مكان للمحسوبيات والنفوذ!
في آب (أغسطس) الماضي، تحدث مساعد المدير التنفيذي في كلية الخدمة السنغافورية روجر تان، أمام رئيس الوزراء
د.عبدالله النسور -وأعجب النسور آنذاك- عن أن القيادات الذكية في سنغافورة تمكنت من تقليص حجم القطاع العام المدني والعسكري إلى 140 ألف موظف. في المقابل، يبلغ حجم القوى العاملة مليونين ونصف المليون عامل، وانخفض معدل البطالة في سنغافورة إلى 2 % بعد أن كان 14 % قبل خمسة عقود.
كان ذاك الإعجاب، ومثله الدعوات للاستفادة من التجربة السنغافورية، في عام مضى. واليوم، ما يزال القطاع العام لدينا متورما، وتعيين الإدارات يتم، في كثير من الحالات، كيفما اتفق، عبر شبكة علاقات نافذة.
وقبل عامين، ظهر في سياق الحديث عن الإصلاح نظام التعيين للوظائف القيادية. وبدا الأمر وكأننا مقبلون على تعيينات ذات صلة بالمعايير في المواقع القيادية. لكن الواقع يشير إلى عكس ذلك. إذ تعيد الدولة، عموماً، إنتاج الأسماء ذاتها بأشكال متعددة.
إصلاح الاقتصاد، وسواه، لا يكون بالأمنيات والاسترضاء والمحسوبيات، وتقديس "المراكز النافذة". وتجاوز الفشل يتحقق عندما تكون المعيارية والمواصفات القيادية المهنية هي المتحكمة، لا الأهواء والأمزجة والمعارف، والولائم المصلحية!
راقبوا التعيينات أيها السادة في بلادنا، وسترون العجب العجاب.
(الغد 2015-05-30)