وادٍ غير ذي زرع!

نتحدث كثيراً عن الحرمان الاجتماعي أو السياسي. لكنّنا نغفل، أردنياً، حرماناً من نوع آخر، على درجة كبيرة من الأهمية والخطورة، هو الحرمان المعرفي!
ثمة فجوة واسعة وكبيرة بين المجال الأكاديمي، بخاصة في العلوم الاجتماعية والإنسانية والسياسية والاقتصاد والإدارة العامة وغيرها من تخصصات من جهة، وبين الخبرة الوطنية في السياسات العامة، ضمن إطار هذه الحقول العلمية والأكاديمية والمعرفية، من جهة أخرى!
هذه الفجوة هي التي تخلق "وادياً عميقاً" (غير ذي زرع)، يفصل بين ما يُدرّس في الجامعات والواقع العملي. فطلبة السياسة، مثلاً، يتخرجون وما يملكونه من معلومات مفيدة وواقعية عن النظام السياسي الأردني وتاريخه وتطوره، والمحددات الخارجية والداخلية، هي معلومات سطحية شحيحة؛ وكذلك عن السياسة الخارجية الأردنية، أو حتى عن تطوّر الحياة النيابية والتشريعية، وغير ذلك من مفاصل مهمة وأساسية لأيّ طالب علوم سياسية، في مرحلة الدراسة الجامعية الأولى أو الدراسات العليا.
الحال نفسها تنطبق على تخصص التاريخ السياسي مثلاً؛ تاريخ الأردن وتطوّره السياسي والاجتماعي والثقافي، وكذلك الاقتصاد والإدارة العامة، وغيرها من حقول، لأنّ من يدرّسها على الأغلب هم من الأكاديميين (وقد يكون بعضهم لامعاً نظرياً) الذين لم يتوافروا على خبرة حقيقية في المجال السياسي، وعلاقتهم هي بالكتب "الجامعية" (Text Books) المترجمة، التي لا تعكس، بالضرورة، الواقع الموجود على الأرض عملياً.
كنتُ أتساءل فيما إذا كان هناك مساق عن السياسة الخارجية الأردنية يدرّس لطلبتنا في الجامعات وفي أقسام العلوم السياسية المنتشرة. وفي حدود علمي ومعرفتي، لا يوجد هذا المساق. بينما تكتفي الخطة المنهجية بمساق واحد أو اثنين عن النظام السياسي الأردني. في المقابل، هناك العديد من المواد عن النظم السياسية الغربية والسياسة الخارجية الأميركية أو سياسات الدول الكبرى في المنطقة!
بالطبع، نحن نتحدث هنا عن أقسام العلوم السياسية في أغلب الجامعات الرسمية وبعض الجامعات الخاصة، فضلاً عن مئات طلبة الدراسات العليا. وقد قرأت مؤخراً أنّ هناك العشرات من طلبة الدكتوراه في جامعة العلوم الإسلامية، وما يقارب المائة في جامعة مؤتة، وهذا العدد الكبير هو كارثة بحدّ ذاته على التعليم الأردني!
هل يمكن بالفعل أن نجد من يضع القطار على السكة؛ من رؤساء الجامعات أو عمداء الكليات، لبناء جسور بين الخبرة الواقعية العامة والحقول الأكاديمية، كأن يتم توفير فرصة الاستفادة لطلبة السياسة والتاريخ والاقتصاد والإدارة العامة والتربية وغيرهم من الخبرات الأردنية الواقعية، عبر محاضرات منتظمة تلقى عليهم، أو حتى على طلبة الدراسات العليا، ويتم كتابتها وتدوينها لاحقاً؟
على صعيد الخبرة السياسية مثلاً، لماذا لا تتم الاستفادة من عبدالإله الخطيب في السياسة الخارجية، بما لديه من تجربة ثرية وهائلة، وقدرته على الجمع بين الجانبين النظري والتطبيقي، أو الدكتور معروف البخيت في الاستراتيجيات الإقليمية والدولية؟ وهما، بعيداً عن أي مواقف سياسية وأيديولوجية، يمتلكان خبرات كبيرة وعميقة، ويطلب منهما المحاضرة في جامعات غربية. وكذلك الحال بشأن عدنان أبو عودة وهو بمثابة مفكّر ومرجع مهم جداً في السياسة الأردنية، أو إبراهيم عزالدين، الذي واكب التحولات السياسية والإدارية بصورة عميقة، وغيرهم الكثيرين.
في الغرب، وحتى بعض الدول الآسيوية، يتقاعد الوزراء والمسؤولون والمستشارون والسفراء، فيذهبون إلى مراكز التفكير والأبحاث ليغنوا المادة المعرفية والنظرية. وجماعتنا يتقاعدون ليثروا الجاهات والولائم ولربما جلسات النميمة، بينما طلبة الجامعات يتعطشون لمعرفة مهمة وأساسية، لا غنى عنها، ولا تتوافر في حقولنا المعرفية، ولا تقدم لطلبتنا أو حتى أساتذتهم!
(الغد 2015-08-21)