احتلال "نظيف ورخيص"

حجم الخديعة والتآمر اللذين لحقا بالفلسطينيين على امتداد ما يقرب من ربع قرن مضى، كبير وثقيل، لاسيما على المستوى الاقتصادي. فاتفاقية باريس، التي جاءت بعد اتفاق أوسلو، بين السلطة الفلسطينية وإسرائيل، كرست شروطا مجحفة بحق الفلسطينيين، خاصة في جانب حظر العلاقة والشراكة بينهم وبين أطراف عديدة، في مقدمتها دول الاتحاد الأوروبي. كما أنها ربطت الاقتصاد الفلسطيني بشكل عضوي بإسرائيل، وجعلته تابعا لها؛ إذ تسيطر دولة الاحتلال على أموال الضرائب، وتتخذ منها ورقة تضغط بها على الفلسطينيين كيفما شاءت!
الظلم الاقتصادي الذي وقع على الفلسطينيين وجد له ما يشبهه، وإن بدرجات أقل، في العلاقة مع دول عربية أخرى. إذ اتسعت "أوسلو" لتشمل اعترافا عربيا أكثر علانية بإسرائيل، ناهيك عن أشكال التطبيع الاقتصادي التي جوبهت بالرفض شعبيا في العقدين الأخيرين. وكارثة "أوسلو"، في تقديري، أنها انطلقت من فكرة التفاوض لإنشاء سلطة مؤقتة، وهي الفكرة التي بدأت لدى المفكر الصهيوني جابوتنسكي -أستاذ نتنياهو- من أجل الوصول إلى "احتلال نظيف ورخيص"، حتى وصل الأمر إلى "السلام الاقتصادي" على طريقة نتنياهو، وهو ما يعني التبعية وإدامة الاحتلال، مع ترسيخ التطبيع بين إسرائيل والفلسطينيين، ومن ورائهم العرب.
نتنياهو يعني ما يقول بالمضمون الاقتصادي تحت غطاء الاحتلال. وقد تحقق له ما أراد. ورغم أن "أوسلو" سقطت شكلا ومضمونا، فلم يعد باقيا منها اليوم إلا التنسيق الأمني بين السلطة الفلسطينية وحكومة الاحتلال، إلا أن تجربة رئيس الوزراء الفلسطيني السابق سلام فياض، تستحق التأمل والبحث، للوقوف على المآلات التي انتهى اليها الاقتصاد الفلسطيني بعد 22 عاما من تبعية رام الله لـ"تل أبيب".
لقد أفضت هذه التبعية إلى وصول حجم التجارة الخارجية الفلسطينية مع إسرائيل ما قيمته 4 مليارات دولار سنويا، في مقابل تجارة فلسطينية مع الدول العربية بحجم 250 مليون دولار. ومن المخجل أن يكون حجم المستوردات الفلسطينية من الدول العربية بقيمة 215 مليون دولار سنويا فقط. وهو ما يعود إلى تحكم إسرائيل بكامل مفاصل الاقتصاد الفلسطيني، علاوة على سيطرتها على المعابر وحركة نقل السلع والبضائع.
في المقابل، تأتي المبادرة التي أطلقها منتدى الأعمال الفلسطيني الدولي، قبل يومين في عمان، من أجل تحقيق تكامل اقتصادي فلسطيني عربي. والإعلان عن المبادرة في هذا التوقيت له دلالة بالغة في سياق تثبيت المقدسيين ودعم صمودهم، علاوة على أن الهدف الأبعد هو تحرير الاقتصاد الفلسطيني من التبعية غير المسبوقة في التاريخ الراهن للاحتلال.
أبلغ ما في انتفاضة الشباب الفلسطينيين المقاومين اليوم، في عموم الأراضي المحتلة، هو قلب الطاولة من جديد على كل المؤامرات السياسية والأمنية، وكذلك الاقتصادية؛ بما في ذلك الخديعة التي تلقاها الشعب الفلسطيني بموجب الارتهان لـ"أوسلو". فالشعب الذي يقع تحت الاحتلال يحتاج فقط إلى التخلص من هذا الاحتلال، لا إلى مقاه ونمط حياة درج على ترويجه معظم مسؤولي "السلطة" التي انبثقت عن "اوسلو"، فسجلت هذه "النخب" سابقة في التاريخ، بتسخير الضحية اقتصاديا لكيان غاصب يتلاعب بالجميع، ولا يصغي إلا لأطماعه.
(الغد 2015-10-20)