ليبيا: بؤس المُؤتمرات وعبثية الاتفاقات والتفاهمات!

تم نشره الخميس 10 كانون الأوّل / ديسمبر 2015 01:16 صباحاً
ليبيا: بؤس المُؤتمرات وعبثية الاتفاقات والتفاهمات!
محمد خروب

فيما يُواصل تنظيم داعش تمدده في ليبيا ويستعد للاستيلاء على المثلث النفطي الليبي، الأثمن والأخطر، عبر غزوه لبلدة اجدابيا انطلاقاً من قاعدته الآخذة بالترسخ في مدينة سرت، وتتوالى الشائعات عن قرب تحويل الجماهيرية العظمى السابقة الى قاعدة بديلة او احتياطية لداعش، اذا ما ضاقت عليها سبل الاستمرار في سوريا او العراق (او كليهما).. يواجه الشعب الليبي الشقيق اسوأ المِحن والكوارث التي يمكن ان تلحق بشعب فَقَدَ دولته، وانهارت مؤسساتها (على ضعفِها وقِلتِها) وأمسك بمصيره ملوك الحرب وزعماء القبائل والعشائر ورهط من الذين يتلقون «امر العمليات» من الخارج، يُنفذون رغباتهم ويَتبنون لهم خِططهم، مقابل اجر معلوم أوحماية يحسبون انها دائمة، فيما هم مجرد ادوات ودمى يتم التضحية بهم عند اي مفترق سياسي او اقتصادي او تجاري او استخباراتي.

وإذ طغى على المشهد الليبي في آخر فصوله المستجدة، جدال وسِجالات حول امكانية تطبيق اتفاق «المبادئ» الاخير الذي تم في تونس بين أعضاء من مجلس النواب (طبرق) وآخرون من المؤتمر الوطني (طرابلس) او لِنَقُل بين الجناح الذي يتصدره عقيلة صالح (وفي الخلفية الجنرال خليفة حفتر) والآخر الذي يرأسه نوري ابو سهمين (ومِنْ ورائه قوات فجر ليبيا المدعومة من الاخوان المسلمين الليبيين ومَنْ حالفهم من العرب في الخارج).. وما اذا سنحت الفرصة لاتفاق كهذا تم فجأة بلا رعاية دولية وبدون تغطية سياسية او دبلوماسية من اي طرف...ان يرى النور، بل ثمة مَنْ يتحدث عن ان الاتفاق العتيد نصّ على ان يتم العمل بدستور العام 1951 والتعديلات التي أُدخِلت عليه في العام 1963 (أي الدستور الملكي قبل ان يطيحه الأخ قائد ثورة الفاتح من سبتمبر 1969)، في الوقت ذاته الذي يقول فيه مسؤولو (طبرق): ان المؤسسة العسكرية (اقرأ مصير الجنرال خليفة حفتر)، ستكون «خارج» اي اتفاق سياسي.

معنى ذلك ان جناح طبرق (المُعترف به دولياً) سجّل نقطة مهمة لصالحه، وبخاصة في شأن مستقبل الجنرال حفتر، الذي يُصرّ فريق طرابلس (الإخوان) على اخراجه من المشهد نهائياً، ما بالك ان المبعوث الدولي «الجديد» الألماني مارتن كوبلر, كان نفى أن يكون اقْتَرَحَ ان يقتصر دور حفتر على رئاسة لجنة لاعادة هيكلة وتنظيم الجيش الليبي, ما يعني - رغم النفي - أن مستقبل حفتر في ليبيا الجديدة، ما يزال موضع خلاف وربما يتقدم على اي بند خلافي آخر.

فهل ثمة امكانية, بالفعل لتمرير اتفاق كهذا, تنصّل منه الاوروبيون وغسلوا ايديهم منه، وهم يُصرّون على اولوية دور الامم المتحدة ومبعوثها الالماني كوبلر, بعد أن خلف الايطالي برناردينو ليون حيث الاخير كان موضع انتقادات واتهامات بالتحيز من قبل الطرفين, عند هذا المفصل أو ذاك، خصوصاً بعد اتفاق «الصخيرات» الذي وُلِدَ ميتاً، بعد أن ظن كثيرون انه مثابة الفرصة الاخيرة لليبيا قبل ذهابها الى الفوضى والمجهول.

هل قلنا الفوضى؟

نعم, اذ ثمة مَن يُراهن بأنه قادر على تفادي الانهيار التام لليبيا، بل اكثر من ذلك وقف تقدم تنظيم داعش, قال ذلك وزير خارجية ايطاليا باولو جنتيلوني الذي تستعد بلاده لاستضافة «مؤتمر دولي» يوم الاثنين القريب (13/ 12) للقيام «بتحرك دبلوماسي مكثف وتفاهم بين الاطراف، بغية وقف التفتيت الكلي للبلاد» على ما قال الوزير الايطالي.

نجاح المؤتمر الذي بَشّرنا به رئيس الدبلوماسية الايطالية مشكوك فيه في ظل تجارب الماضي وخصوصاً تصريحات الحاضر و»تحذير» عواصم اوروبية عديدة وعلى رأسها روما وباريس,الليبيين بأن «لا يتوقعوا» أي مساعدة عسكرية أو انخراط اوروبي في محاربة داعش قبل «اتفاقهم» على تشكيل حكومة وحدة وطنية, ولأن ليس لدى احد شكوك بأن اوروبا هي من يتحمل مسؤولية ما يحدث في ليبيا واستمرار الخلافات والصراعات فيه، ولأن عواصمها غير جادة بل غير معنية باستمرار عذابات الليبيين ومعاناتهم سوى «قلقها» من تواصُل موجات المهاجرين, فإن من السذاجة الاعتقاد أن المؤتمر الذي سيُعقد بعد اربعة ايام، سيُخرِج ليبيا من ازمتها ويضع الاوضاع فيها على طريق التهدئة والتطبيع بين الفريقين اللذين يتصارعان على النفوذ والفوز بكعكة الحُكم, بدعم من عواصم دولية واقليمية لا يهمها خراب ليبيا بقدر ما هي مُهتَمة بنفطها وموقعها الجيوسياسي والافاق المفتوحة امامها لاقامة قواعد عسكرية جوية وبحرية بحثاً عن نفوذ أو تكريساً لماض استعماري بات الحنين الاوروبي اليه كبيراً وماثلاً.

لن يختلف مصير اتفاق تونس الاخير عن سابقاته من اتفاقات وتفاهمات ليس فقط لأن بحوراً من الشكوك وانعدام الثقة ما تزال تفصل بين طبرق وطرابلس, بل ودائماً لأن احداً من الرعاة والداعمين لا يريد خيراً لليبيا وشعبها، بل هي مجرد «ورقة» يُلْعَب بها على طاولة الصراعات الدولية والاقليمية التي تزداد اشتعالاً.

(الرأي 2015-12-10)



مواضيع ساخنة اخرى
الإفتاء: حكم شراء الأضحية عن طريق البطاقات الائتمانية الإفتاء: حكم شراء الأضحية عن طريق البطاقات الائتمانية
" الصحة " :  97 حالة “حصبة” سجلت منذ أيار لدى أشخاص لم يتلقوا المطعوم " الصحة " : 97 حالة “حصبة” سجلت منذ أيار لدى أشخاص لم يتلقوا المطعوم
الملكة في يوم اللاجىء العالمي : دعونا نتأمل في معاناة الأمهات والرضع الملكة في يوم اللاجىء العالمي : دعونا نتأمل في معاناة الأمهات والرضع
3341طن خضار وفواكه ترد للسوق المركزي الثلاثاء - اسعار 3341طن خضار وفواكه ترد للسوق المركزي الثلاثاء - اسعار
الدهامشة : الداخلية وفرت كل التسهيلات لقدوم العراقيين للأردن الدهامشة : الداخلية وفرت كل التسهيلات لقدوم العراقيين للأردن
العلاوين: التوسعة الرابعة ستمكن المصفاة من تكرير 120 ألف برميل نفط يوميا العلاوين: التوسعة الرابعة ستمكن المصفاة من تكرير 120 ألف برميل نفط يوميا
" الائتمان العسكري " : تمويل طلبات بقيمة 13 مليون دينار " الائتمان العسكري " : تمويل طلبات بقيمة 13 مليون دينار
العيسوي يفتتح وحدة غسيل كلى بالمركز الطبي العسكري بمأدبا العيسوي يفتتح وحدة غسيل كلى بالمركز الطبي العسكري بمأدبا
الصحة: مخزون استراتيجي للأمصال المضادة للدغات الأفاعي الصحة: مخزون استراتيجي للأمصال المضادة للدغات الأفاعي
بالاسماء : تنقلات واسعة في امانة عمان بالاسماء : تنقلات واسعة في امانة عمان
عضو في لجنة الاقتصاد النيابية: بطء شديد في تنفيذ رؤية التحديث الاقتصادي عضو في لجنة الاقتصاد النيابية: بطء شديد في تنفيذ رؤية التحديث الاقتصادي
إخلاء طفل من غزة لاستكمال علاجه بالأردن إخلاء طفل من غزة لاستكمال علاجه بالأردن
تسجيل 14 إصابة بالملاريا جميعها إصابات وافدة منذ بداية العام تسجيل 14 إصابة بالملاريا جميعها إصابات وافدة منذ بداية العام
ملك إسبانيا : الأردن هو حجر الرحى في الاستقرار الإقليمي ملك إسبانيا : الأردن هو حجر الرحى في الاستقرار الإقليمي
الملك : حل الدولتين أساسي لتحقيق السلام والازدهار في المنطقة الملك : حل الدولتين أساسي لتحقيق السلام والازدهار في المنطقة
الهواري يؤكد أهمية ضبط العدوى لتقليل مدة إقامة المرضى في المستشفيات الهواري يؤكد أهمية ضبط العدوى لتقليل مدة إقامة المرضى في المستشفيات