اقتصادات التكلفة الصفرية

بعد تجارب عسيرة دفعت ثمنها شعوب الأرض، لاسيما الفقراء بينها، لم تتمكن الأيديولوجيا الاشتراكية أو الرأسمالية من تقديم إجابات كافية عن أسئلة الاقتصاد الملحة، وبدت عيوب المنظومتين ماثلة في أكثر من جانب. فالاستغلال والفقر والفساد، ملامح أكثر وضوحا من مشاهد العدالة الغائبة والمساواة المفقودة والتميز الفردي والجماعي المشوّه التي غرقت فيها جميعا تجارب الاشتراكية والرأسمالية بمسارها الاقتصادي.
ما البديل؟ يقول د. جيرمي ريفكين في مؤلفه "مجتمعات التكلفة الصفرية: مجتمعات ما بعد الرأسمالية"، إن العالم سيتحرك بشكل جاد لكي يكون البشر منتجين ومستهلكين معا، عبر حل مشاكل المجتمعات من دون تدخل الحكومات، وعلى شكل تجمعات تعاونية اقتصادية. وفي توضيح الفكرة، يرى ريفكين أن العالم سيشهد تحولا متدرجا خلال العشرين عاما المقبلة، لكنه تحول ملموس فيما يتعلق بالبحث عن التكلفة الصفرية؛ والمقصود أن يجتمع أفراد كل حي لينشئوا محطات للطاقة البديلة، ويدفعوا أثمانها بتمويل مصرفي. ومع الزمن، ستصل الكلفة الإنتاجية إلى الصفر عبر توفير طاقة رخيصة جدا في حي ما. والفكرة ذاتها تصلح في النقل، عندما يشتري أفراد الحي حافلات خاصة ويدفعون ثمنها ويستخدمونها، وصولا إلى أن تصبح كلفة الحافلات صفرا. والأمر ذاته يصلح في باقي القطاعات الاقتصادية وتلك المتعلقة بالخدمات والإنتاج.
قد يقول قائل إنها فكرة مثالية لا تصلح للتعميم. لكن المؤكد أن بعض الأفكار الاقتصادية، وعددا من الشركات، بدأت تتجه إلى هذا الاقتصاد الجديد ضمن سوق معلومات واسعة ومفتوحة. وثمة من يرى أن بعض الدول المتقدمة ستتمكن من إنتاج "طاقة خضراء" كاملة لجميع سكانها وفقا لمفهوم الإنتاج الصفري.
على الأغلب، وفقا لريفكين، أنه سيتوفر لدى الدول النامية آلاف المواقع لإنتاج الطاقة باعتبار أن التكلفة ستقل. وستحدث توأمة بين عالم الانترنت وعالم الأفكار الباحثة عن كلّف صفرية في تسيير الملفات المعيشية والاقتصادية. وبالنظر إلى المسار الزمني في هذا الشأن، فإن كلفة توليد كيلوواط شمسي كانت تبلغ 78 دولارا -ككلفة ثابتة- في العام 1978، أما اليوم، فإن هذه الكلفة أصبحت أقل من نصف دولار لإنتاج كيلوواط شمسي.
بعد إخفاقات النموذجين الاشتراكي والرأسمالي، لا بد من طريق آمنة جديدة يستطيع بها الفقراء أن يتكاتفوا من أجل إنتاج الخدمات التي يريدون، وعلى قاعدة أن يصبح الأفراد منتجين ومستهلكين معا، من دون سيطرة الحكومات أو الشركات المتعددة الجنسية على مصائرهم.
أين نحن من كل هذا؟ لا يوجد مكان للفرجة أو الانتظار في مسار هذا الاقتصاد الذاتي أو المعتمد على تكاتف الأفراد في مجتمعات لديها القدرة والإرادة بشأن الفعل والعمل معا. وتبدو المعلومات المتزايدة ضمن الشبكة العنكبوتية سببا في سرعة انتشار هذا الوعي؛ إذ ستطوف مشاريع الكلفة الصفرية بكل تلاوينها العالم كله لنشر هذا الوعي.
في عمق التجربة الاقتصادية الأردنية، يجد المرء نفسه منجذبا لأفكار ريفكين. إذ ظلت تجربتنا المحلية خليطا مرتبكا لعقود طويلة؛ تارة بعين اشتراكية وأخرى رأسمالية. وفي مرات عديدة تم الخلط بين النموذجين لمصلحة انعدام الرؤية. وبعد هذه السنوات العجاف التي حملت إلينا تشوهات النموذجين عبر قطاع عام متورم وآخر خاص تابع في أغلبه للأول، وبينهما مديونية ثقيلة وأقلية ثرية وأغلبية فقيرة، حريّ بنا أن نتمسك بنموذج ريفكين في المستقبل القريب بحثا عن اقتصاد لا قيود فيه لمصلحة أشباح لا نراهم أو حيتان يتحكمون بلقمة خبزنا.
(المصدر: الغد 2015-12-19)