مؤشرات إلى الفشل في التخطيط
![مؤشرات إلى الفشل في التخطيط مؤشرات إلى الفشل في التخطيط](https://s3-eu-west-1.amazonaws.com/static.jbcgroup.com/amd/pictures/c6b69e1d541ac2c71432b26ca1588087.jpg)
استكمالا لمقال "مؤشرات إلى الفشل الاقتصادي" ("الغد"، 12/ 5/ 2016)، تعرض هذه المساحة مؤشرات الفشل في التخطيط، بما هو إدراك واع لما نرغب فيه، ثم إدارة وتنظيم الموارد باتجاه هذا الإدراك. والحال أنه تعريف يكشف عن طبيعة واتجاه الوعي الكامن أو العقل الباطن في قيادة الدول والمجتمعات والأسواق، وليس فقط مستوى الكفاءة والمعرفة. فالسؤال البدهي الحاكم في مراجعة وتقييم المشروعات والسياسات هو: من يستفيد منها ومن لا يستفيد؛ لمن توجه هذه الموارد؟ ثم، وفي سؤال ناشئ عن السابق: هل هي برامج وسياسات وموارد موجهة إلى جميع المواطنين، بعدالة وكفاءة؟
في مبتدأ التشكل الذي استخدم مفتاحا لملاحظة الفشل الاقتصادي، يمكن أيضا في مراجعة التخطيط النظر إلى المدن والبلدات والأحياء في واقعها، وملاحظة الفشل في تخطيطها، ومتوالية الفشل في العلاقات والمؤسسات الناشئة عن هذا التشكل. إذ يفترض، وببساطة، أن تكون المدن والبلدات والأحياء والشوارع والأرصفة والمرافق والمؤسسات والخدمات والأسواق الناشئة، تحكي ببداهة أسلوب تشكل الناس وحياتهم؛ أن يكون في مقدور الساكنين والأطفال أن يمشوا في أحيائهم بأمان وسهولة، بمعنى أن تكون الأرصفة والشوارع مصممة للناس على اختلاف أعمارهم وفئاتهم، وأن يكون في محيط الساكنين وضمن قدرتهم على المشي على أقدامهم؛ مدارس للأطفال، ومركز صحي، ومكتبة وحديقة، وناد رياضي ثقافي اجتماعي، وسوق استهلاكية وخدماتية.
وتتشكل المدن وتنتشر وتمتد على مدى الوطن في حدود مدينة يسكنها حوالي مائة ألف نسمة، وتحيط بها بلدات في حدود خمسمائة ألف ساكن، يفترض أن تكون لديهم جامعة ومستشفى متكاملة قادرة على خدمتهم، وشبكة من المدارس والمراكز الصحية والاجتماعية، وأن يكون في مقدور المواطنين في هذا المحيط الاكتفاء تماما بالمراكز والخدمات المتوفرة، وأن تنشأ أسواق وموارد تجعلهم قادرين على مواصلة الحياة والعمل في مدنهم ومحافظاتهم وللأجيال من بعدهم، بلا حاجة إلى الهجرة أو الانتقال إلى المركز أو خارج البلاد. وبذلك، فإنه يُستدل على فشل التخطيط في اتجاهات الهجرة والإقامة.
لا يكفي وجود المشروعات والمؤسسات، إن وجدت؛ ولكن يجب أن تشارك المجتمعات في ملكيتها وفي ادارتها والولاية عليها. وأسوأ فشل يمكن أن يقع فيه التخطيط، هو أن تقام مشروعات أنيقة معزولة في المحافظات والبلدات لا يستفيد منها أحد من المواطنين، بل ويشعرون تجاهها بالنقص والغيظ. وأسوأ من ذلك أن تكون حصة المواطنين في هذه المشروعات وظائف بسيطة، وأن يبالغ القائمون عليها بالإشارات الفجة في وسائل الإعلام المليئة بالعجرفة والمن والأذى... ووصفهم بالسكان المحليين!
لا قيمة كبيرة لمشروعات الطاقة المتجددة التي يجري بناؤها إذا لم تكن شركات مساهمة يشارك فيها عدد كبيرة من المواطنين، وأن تكون شركة خاصة بالمدينة والمنطقة وأهلها؛ يملكونها ويوجهونها أساسا للحصول على احتياجات المدينة والمنطقة من الطاقة. ويفترض أن الأهالي الذين شاركوا بمئات ملايين الدنانير في البورصات، وبنوا عشرات المساجد والمضافات في بلداتهم ومحافظاتهم، قادرون على أن ينشئوا شركات للطاقة والمياه والصناعات الملائمة والمستمدة من الموارد والفرص المتاحة في مناطقهم!
(الغد 2016-05-25)