عن.. «حجّاي آلعاد»..
العنوان ليس لغزاً، بل هو اسم لرجل «إسرائيلي».. نعم إسرائيلي وشجاع، نَدَرَ أن تجد مثل شجاعته، إن لم نصفها بالبطولة، مقارنة بـِ»بعض» عرب اليوم، الذين اكتفوا في صراعهم المزعوم مع إسرائيل, بالدعوة إلى «التعايش» والقبول بالأمر الواقع واعتبار أن الأولويات القومية (يا للهول) تفترض «الواقعية» في التعامل مع إسرائيل, التي غدت لا تحتل المرتبة الأولى في «العِداء»، بعد أن «قَفَزَ» إلى المقدمة الخطر الإيراني، الذي يريد أن «يُشيّع» أهل السُّنة وأن يهيمن عليهم ويتحكم في مصائرهم وخصوصاً في هدفه الأبعد (..) وهو صرف نظرهم عن الصراع مع «حليفته»... إسرائيل!!.
تبريرات مُتهافِتة لا تصمد أمام اختبار الواقع وقسوة الوقائع, التي تفتك بالأمة العربية وتُعطّل ما تبقى من أعضاء جسمها العليل, الذي لم يبرأ بعد ولا يبدو أنه سيبرأ قريباً من عللّه وتوقف وظائف أعضائه وانعدام الانسجام في تلك الوظائف, حدود التعارض والتضاد، على النحو الذي تشهَده «ساحات» عربية عديدة، يُسفَك فيها الدم العربي.. بلا حساب أو خجل, وتُدمّر فيه أسس الحياة والعمران, ويحتفِل بالدمار.. اصحاب الثروات والأبواق الإعلامية وزمرة المنافقين وحارقي البخور ووعاظ السلاطين وتجار الحروب, الذين استطاعوا «تسويق» كل من كسد في مخازنهم.
ما علينا..
الإسرائيلي الشُجاع الذي يحمل اسم «حجّاي الّعاد»، يرأس منظمة حقوقية إسرائيلية (غير حكومية) معروفة منذ زمن طويل بمواقفها الرافضة للاحتلال الإسرائيلي, والداعية بلا كلل الى إنهاء هذا الاحتلال, وهي منظمة «بتسيلم» التي تأسّست في 3 شباط 1989. تقول في تعريف نفسها «أنها المركز الإسرائيلي للمعلومات عن حقوق الإنسان في الأراضي المحتلة»، اي انها ليست حركة «سياسية» بالمعنى الاجرائي للكلمة, بقدر ما تستلهم اسمها(على صورة... بالعربية)من أن «الله خلق الإنسان على صورته، على صورة الله خلقه ذكرا وأنثى»، كما جاء في سِفْر التكوين.(وفق موقعها الألكتروني).
من هذا المنطلق المستمر نضاله منذ 27 عاماً، وقف «حجّاي آلعاد» أمام مجلس الأمن يوم الجمعة الماضي, مُطالِباً أعضاءه (دائمو العضوية والعابرون) بإنهاء الاحتلال للأراضي الفلسطينية فوراً، مُخاطِباً إياهم بلغة حقوقية وخصوصاً أخلاقية عبر تساؤله: مَنْ يستطيع تحمّل الحواجز على مدى نصف قرن؟. مُذَكِراً بأنّ «إسرائيل تُشرّْعِن بطريقة ممنهجة, قوانين تُناقض حقوق الإنسان، وبخاصة انها أعلنت عن 20% من أراضي الضفة كأراضي دولة, وتُصِرّ على أن هذه الأعمال قانونية وتتوافق مع القانون الدولي. ثم يواصل «حجاي» تساؤلاته المُحرجة لمن يُفترض انهم ممثلو العالم «الحر والمُتنوّر»: كم منزلاً للفلسطينيين ستُهدَم, حتى يتم التحرك من قِبلكم؟ ليجيب عنهم: إن للفلسطينيين الحق في العيش باحترام واستقلال وحان الوقت للعمل والآن. (50) عاماً من الاحتلال هذا وقت كثير جداً، ويجب أن ينتهي الاحتلال ومجلس الأمن يجب عليه أن يعمل والوقت هو الآن. ثم يختم: إن لمجلس الأمن ليس فقط القوة، بل الواجب في أن يَتخِذ الاجراءات وارسال رسالة للعالم مفادها أن إسرائيل لا يمكنها ان تحتل شعباً والإعلان عن نفسها كدولة ديمقراطية».
ما ان انهى الاسرائيلي الشجاع كلمته، حتى اندلعت هستيريا تخوينه وأبلسته في اسرائيل, وسارع نتنياهو الى وصف بتسيلم بانه(تنظيم زائل وغير واقعي، انْضَمَّ الى جوقة التشهير بإسرائيل, وان ما لا تنجح هذه التنظيمات بتحقيقه في الانتخابات تحاول تحقيقه بمساعدة «الاكراه» الدولي). فيما تصدّى له «بتسيلم» نفسه وشاركه حزب ميرتس اليساري الذي قالت نائبة في الكنيست عنه: مُعارَضة الاحتلال هي اكثر عمل وطني, ومنظمات حقوق الانسان تُنقِذ اسرائيل عندما تَعْرِض الوجه الآخر، ومَنْ يُدهّوِر اسرائيل فعلا منذ سنوات كثيرة هو... نتنياهو».. فيما قال «بتسيلم»: «..لن ننزل لمستوى رئيس الحكومة ولن نصفه بالزائل، ونحن نؤمن ان الجمهور في اسرائيل يستحق نقاشا حقيقيا حول الاحتلال، خلافا للتشابه المطلق الذي يحاول رئيس الحكومة خلقه بين الاحتلال واسرائيل. نحن نُصِرّ على القول بصوت واضح: «الاحتلال هو ليس اسرائيل, ومقاومة الاحتلال ليست ضد اسرائيل بل العكس هو الصحيح».. اما عن وسائل الاعلام الاسرائيلية فحدِّث ولا حرج, إذ جاءت العناوين التي تصدرت صفحاتها الاولى كالتالي: بتسيلم ضد دولة اسرائيل (يديعوت احرونوت)، مدير بتسيلم يدعو في مجلس الامن الى العمل «بشدة ضد إسرائيل» (معاريف)، نتنياهو سيعمل على إلغاء الخدمة الوطنية في بتسيلم (هاارتس واسرائيل اليوم) فيما حفِلت صفحات المقالات والرأي في تلك الصحف بكثير من الانتقادات اللاذعة التي تُشيّْطِن بتسيلم ورئيسه..حجّاي آلعاد.
ثمة من سيقول عند الانتهاء من قراءة المقالة, انها مجرد توزيع ادوار اتقنها الصهاينة, في اكثر من مرحلة من الصراع الممتد مع العدو الاسرائيلي، الا ان ذلك استخلاص مُتسرِّع وسهل ولا يكلف صاحبه عناء البحث الدؤوب في طبيعة المشكلات التي تعصف باسرائيل, بعد ان وصلت الى ذروة استكبارها وشعورها بانها باتت فوق المحاسبة واكثر طمأنينة من وضعها الاستراتيجي الامني وخصوصا العسكري، حيث لا اخطار «عربية» تُهددها ولا دعوات لمحاربتها, بل ثمّة من لم يَعُد يرى فيها عدواً, بل حليفاً محتملاً ومطلوباً.
هل تقولون إن «عباس» تحدث كثيراً عن... هذا الموضوع؟.
طيّب.. أي اثر تركته (على إسرائيل) خطابات عباس.. وغيرِه؟.
(الرأي2016-10-18)