تنافس على المصالح والصفقات
![تنافس على المصالح والصفقات تنافس على المصالح والصفقات](https://s3-eu-west-1.amazonaws.com/static.jbcgroup.com/amd/pictures/453c0a0d0f055cf00ecb3a8ece7da35d.jpg)
لا أحد يدلي بدلوه من على منابر الصحف، او يجاهر برأيه في اي مناسبة اجتماعية، حول ما تحفل به الشبكة العنكبوتية من هراء، إن لم تكن لديه شكوى مريرة، في كانت في حلقه غصّة، مما يجري على منصات التواصل الاجتماعي من تهجمات رعناء، ومن انفلات في التطرف، وتطاول على القيم المشتركة، او انبعاث لروح التعصب والكراهية، التي تبلغ احياناً مستويات تثير الذعر مما يتلبس بعض المتفاعلين الموتورين، من مغردين ومعلقين، على هذه المنصات التفاعلية، من رغبة في ازدراء الآخر وتحقيره، وربما التحريض على الانتقام منه، حتى لا نقول اغتياله معنوياً.
واحسب ان كل من يتورط في اشتباك فكري، على خلفية اي مسألة اقتصادية او ثقافية او اجتماعية، مع كثير من الغاضبين والمحبطين والثرثارين على مواقع التواصل هذه، يدرك في قرارة نفسه، انه خاسر لا محالة، كمن يؤذن في جرة، او ينفخ في قربة مقطوعة، وانه لا طائل من وراء مثل هذا السجال مع هؤلاء المتفاعلين الحانقين، ممن لا يعبؤون بغيرهم، ولا يقيمون وزناً لآراء مخالفيهم، وقد لا يجشّمون انفسهم مشقة قراءة مداخلات ذوي الافكار النقدية الرصينة.
ومع الإدراك سلفاً انه لا حياة لمن تنادي، وليس هناك امل قريب في ترشيد هذا التسابق المحموم على إبراز الغث، والخلط بين الفاسد والمقصر ونظيف الكف، وتظهير كل هذا الهوس في الذم وجلد الذات، الا ان المسؤولية تقتضي التصدي لهذه الظواهر المرضية، والتحذير من مغبة استشرائها في قنوات التواصل، لعل الاصوات العاقلة من هنا وهناك تنجح، على المدى المتوسط، في كبح جماح هذه الظاهرة التي لم تبرز الا بعد انفجار ثورة الاتصالات الحديثة، وتيسّر ادوات استخداماتها للناس كافة.
ما يشجع على فرضية ان الانفلات على منصات التواصل في سبيله الى الانحسار التدريجي، أنّ العديد من قادة الرأي، وذوي المسؤولية الضميرية، قد شرعوا في الآونة الاخيرة بالاحتكاك بجرأة مع الرعاع على هذه المنصات، لدحض عشوائية طروحاتهم السلبية، ومحاصرة شخصياتهم السامة، على نحو انجح بكثير مما لجأت اليه اجهزة الرقابة الرسمية، التي تنبهت اخيراً الى مخاطر اتساع ظاهرة الكراهية، وسعت الى تطويق ما فاض من انتهاكات على تلك المنصات المتاحة لكل من هب ودب.
على اي حال، يمكن القول إن ما تزخر به مواقع التواصل الاجتماعي، وما تشير اليه من احتدام في المزاج العام، يشكّل في مجموعه مرآة بانورامية لما يدور في خلد اوساط اجتماعية محبطة ومقهورة ازاء تفاقم الاوضاع الاقتصادية، ولديها رغبة في إسماع صوتها لكل من يعنيهم الامر، وإظهار احتجاجها على ما لحق بها من ظلم وجور. غير انه في خضم هذه الصورة التي تستحق الاهتمام والاحترام، تتناثر على هوامش هذه الصورة، وفي متنها احياناً، بعض الخطوط السوداء والمطارح التي تخلط الحابل بالنابل، وتشوش المشهد الكلي، ان لم نقل انها تقلبه رأساً على عقب.
وليس من شك في ان هذه المرايا العكرة، التي أنتجها نزق بعض النشطاء على مواقع التواصل الاجتماعي منذ فترة غير قصيرة، وراكمتها نبوءات الموتورين السوداء، سوف تصفو مع مرور الوقت لا محالة، مع مزيد من الرقابة المهنية والرسمية، ناهيك عن التقدم الحضاري البطيء، خصوصاً عندما يكتشف المتطفلون وذوو الافكار الرثة، انهم كانوا يهرفون بما لا يعرفون، يحرثون في البحر او في الفضاء الالكتروني الواسع، لا يخلفون وراءهم اثراً، ولا يحققون لأنفسهم، أو لسواهم، فائدة مرجوة من وراء بث السموم، ومحاربة الطواحين.
خلاصة القول، ان ما تعج به مواقع التواصل، لا سيما في بعض الحالات الشاذة، او المسائل المثيرة للخواطر، وما تطفح به من مظاهر كراهية وتعصب ورغبات ثأرية كامنة، لا تعكس بالضرورة الموضوعية كامل صورتنا الاجتماعية، وان كانت تظهر بعض جوانب هذه الصورة، وأن المتعصبين والمتصيدين على هذه المنصات لم يستطيعوا ان يصنعوا قضية عامة الا فيما ندر، او يشكلوا قواسم مشتركة يعتد بها مع غيرهم من الناس، الذين يستخدمون هذه المنصات على نحو ايجابي، ويستفيدون منها في تكوين معارف جديدة، ورفع درجة الرقابة بمسؤولية، وتظهير الصورة الاجتماعية الحقيقية.
الغد 2017-06-23