ضريبة «شايف الضبع»
ما زلت كلما انقطعت الكهرباء عن شارعنا أضحك متندراً على نفسي. ففي الخامسة من عمري تلبسني سؤال صاعق. لماذا تنطفئ البيوت وتظل أنوار السيارات سكاكين تشق عباءة الليل؟. هذا السؤال أحلته إلى جدتي رحمها الله، ولم ينقذها من إلحاحي وثقالة دمي إلا أبي الذي شرح لي أن السيارة تخبئ الكهرباء في بطاريتها.
على بوابات الشتاء تخذلنا البطاريات وتجبرنا أن نتوسل دفشة من هنا أو هناك. ففي كل شارع ترى سيارة يحاول بضعة أفراد تعشيقها، لتنطلق مع خوف انطفاء قريب. البرد كاشف للعيوب كما تكشف أول زخة المطر شارعاً ما زال في ريعان شبابه.
سرني أن تخفى رئيس الوزراء بالشماغ الملصوم، وكشف عن عملية تهرب ضريبي في سوق البطاريات. وسرني أكثر أنه رأى كيف أن كثيرين لا يراعون حقوق الوطن بتملصهم من دفع ما يترتب عليهم من ضرائب لخزينة الدولة.
عندما كانت الضباع تهاجم الحظائر وتخطف الأغنام، كانت الفزعة الزلزالية تدب في دم الرجال، فيقسمون يميناً غليظة أن ينالوا من الوحوش اللعينة، ثم يهبون كالريح يطاردونها في الجبال، قاصين أثرها على صفحات تراب الدروب.
أحياناً كان يصدف أن يتلبّسهم الفزع، قبل أن يواجهوا الضبع، لكنهم من باب التجمل يوارون الرهبة، فيما آثار الأقدام تضعهم وجهاً لوجه معها وراء أشجار متشابكة. وبما أن الخوف يمنعم من القبض عليها كانوا يتظاهرون بعدم رؤيتها، ويتعامون عنها، بل وإمعاناً بالتغافل، نراهم يعيدون قصّ الأثر مرة أخرى، فيما الضبع أمامهم تبرق بكهرباء عينيها.
الجميع يعلم تقريبا أين يكمن التهرب الضريبي في بلدنا. المتهربون معروفون لدى الجهات المسؤولة. فالبعض يعرف مكاتب هندسية ذات مشاريع عملاقة لا تدفع ضريبة إلا ما يقل عما تجنيه بنصف يوم عمل. ويعرفون أطباء فلكيين (كاشو) الدنيا، وحين تفتش عن ضريبتهم المدفوعة تجدها لا توازي أجرة عملية يصرون على أخذها (كاش) بلا فواتير. وما خفي أعظم.
ليس هناك أسهل من فرض ضريبة دخل على الموظفين، كما لاح بأفق الحكومة قبل حين، فهي ضريبة تأتي مخصومة من رواتبهم والسلام. لكننا نعلم أن وراء أكمة الأشجار ضباعاً كثيرة، هبشت ونهشت، لكن الخوف جعلنا نتعامى عنها زمنا طويلا. ضريبة (شايف الضبع ويقص باثره) أرهقتنا وفاقمت مديونيتنا.
لا بأس بالكشف عن تهرب ضريبي في سوق البطاريات، شريطة أن تكون العملية شرارة انطلاق للقبض على ضباع الضرائب الذين لا يرون الوطن إلا للشفط واللهط، وهم يعلمون أن بطارية سيارتنا قد تقطعنا في أي وقت بشتاء أزمتنا.
الدستور 2017-10-19