الشيخ القرضاوي والاستعانة بالأجنبي
ظهر الشيخ القرضاوي في بنغازي وألقى خطبة الجمعة في أحد مساجدها وبثتها وسائل الإعلام المرئية، الليبية وغير الليبية، دعا فيها إلى وحدة الصف الليبي ونبذ الخلافات والتسامح وإجراء المصالحة بين الأخوة بصرف النظر عن مواقفهم واتجاهاتهم، كما تناول الشيخ المسألة السورية بشيء من الإسهاب، متوقعا سقوط النظامين السوري واليمني، وهو الذي كان، كما ذكر في خطبته، قد توقع سقوط النظام الليبي، وهذا ما حدث فعلا، فقد سقط النظام الليبي وانتهى إلى غير رجعة.
ليعذرنا الشيخ القرضاوي، مع كل احترامنا وتقديرنا لشخصه الكريم وعلمه الوافر، فهو ليس الوحيد الذي توقع سقوط نظام العقيد، وإنما توقعه السواد الأعظم من الناس في جميع أنحاء العالم، ذلك لأن النظام الليبي البائد كان يحمل بذور سقوطه في ذاته، فقد حكم شعبه بالحديد والنار لمدة تزيد عن أربعين عاما، لكن السبب الأهم كان تدخل قوات حلف الأطلسي بكل قدراتها العسكرية والتقنية والمالية، حتى بات كل شبر على الأرض الليبية تحت سيطرتهم وفي مرمى صواريخهم، ولا نقلل هنا من الدور الكبير الذي لعبه الثوار الليبيون على أرض المعركة والتضحيات التي قدموها على الأرض الليبية من أقصاها إلى أقصاها دفاعا عن أرضهم وعرضهم وكرامتهم وحريتهم التي انتهكها نظام القذافي وزبانيته، لكننا نؤكد أن الدور الذي لعبه حلف الأطلسي كان حاسما.
ما يلفت النظر ويثير الجدل في خطبة العلامة الشيخ القرضاوي هو فتواه بجواز الاستعانة بالأجنبي لإسقاط الأنظمة العربية التي يرى أنها ظالمة ومستبدة، تسوم شعبها سوء العذاب وتقتلهم دون شفقة أو رحمة. قد يبدو الأمر غريبا، خصوصا إذا ما صدر شيء كهذا من شخص بمنزلة الشيخ القرضاوي ومكانته العلمية والسياسية والاجتماعية. يعلم الشيخ أن "الداية ليست أحن من الوالدة "، فلا يُعقل أبدا أن تتدخل الدول الغربية من أجل سواد عيوننا، فالدول الغربية ليست جمعيات أو مؤسسات خيرية هدفها ورسالتها مساعدة المظلومين في هذا العالم، وإلا لكانت تدخلت لحماية الشعب الفلسطيني الذي احتُلت أرضه وحُرم من ابسط حقوقه، وفي مقدمتها حق العودة، ليس هذا فقط، وإنما يُقتل شيبه وشبابه في كل لحظة وفي كل يوم، وتُصادر أرضه وتُنتهك حُرماته وتُدنس مقدساته. لم يتعرض الشعب السوري ولا غيره من شعوب العالم إلى ظلم وجبروت كالذي يتعرض له الشعب الفلسطيني، فلماذا لا تتدخل الدول الأجنبية لرفع الظلم عنه وتمكينه من استعادة حقوقه المشروعة؟
يا شيخنا، هل كانت الدول الغربية ستتعامل مع النظام السوري على هذا النحو لو اعترف هذا النظام بالكيان الصهيوني ووقع معه معاهدة سلام أو استسلام وأقام معه علاقات دبلوماسية واقتصادية واستخباراتية؟ هل كانت ستنتصر للشعب السوري لو أن النظام أقام علاقات حسن جوار مع الكيان الصهيوني حتى لو كان هذا النظام دكتاتوريا وإرهابيا واستبداديا وقاتلا؟ أنت أول من يعلم يا شيخنا بأن الدول الغربية لا تتدخل إلا إذا كان ذلك يصب في مصلحة إسرائيل أولا، ومصالحها ثانيا، أما مصالحنا وحقوقنا وكرامتنا وحريتنا فهي آخر ما تفكر به هذه الدول. لقد تدخلت الدول الغربية وشنت حروبا قيل أنها انتصارا للمظلومين في أكثر من بلد عربي إسلامي، فماذا كانت النتيجة؟ الجواب متروك لك يا شيخنا.