من بين كل المشاركين في مسيرة القدس العالمية الشعبية الحاشدة, بمناسبة يوم الأرض التي انطلقت في عدد من دول العالم، إحياء لذكرى يوم الأرض الفلسطينية, وشارك فيها نشطاء سلام ومتضامنون من أكثر من 80 دولة من مختلف القارات, نتوقف عند مشاركة أربعة من رجال الدين اليهود, ينتمون لحركة» ناطوري كارتا» المناهضة لاسرائيل, وقد شاركوا في المسيرة تحت لافتة ( اليهودية تطالب بالحرية للقدس وكل فلسطين )، معتبرين أن مشاركتهم تأتي لدعم الفلسطينيين ومن أجل تأكيد أن اليهودية تختلف عن الصهيونية التي يقفون ضدها , ونتجاوز حادثة تعرض الحاخامات للمضايقة من بعض المشاركين الذين لم يتفهموا البعد المعنوي لمشاركتهم, والذين بالتأكيد لايعرفون شيئاً عن حركة ناطوري كارتا, ولا عن نشاطاتها المعادية للصهيونية, ورفضها لقيام دولة إسرائيل على أرض فلسطين.
لسنا هنا بصدد الحديث عن القناعات الدينية التي يحملها أبناء هذه المنظمة, وهي تحرم قيام دولة لليهود, باعتبار أن ذلك يعتبر تحدياً للإرادة الإلهية, لاأن اليهود طردوا من فلسطين بسبب خطاياهم, ويؤكدون أن الصهيونية لا تمثل استمراراً للتراث الديني اليهودي, بقدرما هي انسلاخ عن ذلك التراث, وهي من أخطر المؤامرات شيطانية ضد الديانة اليهودية, التي يؤكدون أنها تبغض سفك الدماء, مثلما يؤكدون أن عقيدتهم تحض على عدم المشاركة في السلطة الدنيوية, ورفض حمل السلاح, وهم يطالبون اليهود بترك الحديث باللغة العبرية, وقصر استخدامها على الشؤون الدينية والصلوات, بعكس الصهيونية التي جعلتها لغة الحديث اليومية, واللغة الرسمية للدولة.
مهم أن يعرف الذين تهجموا على الحاخامات اليهود في المسيرة, أن أبناء هذه الطائفة, وإن كانوا متدينين يتجهون بعواطفهم وقلوبهم إلى ما يعتقدونه أرض الميعاد المقدسة ، فانهم يؤكدون أن لاعلاقة لصلواتهم بالصهيونية, أو بفكرة العودة التي تتبناها, وهم حتى اليوم يرفضون زيارة الحائط الغربي « المبكى « , ويتهمون الصهيونية بمعاداة اليهود، لانها تطالبهم بالولاء لها وحدها, و ليس للدول التي يعيشون فيها، وهم وحدهم من بين اليهود, يتهمون الصهيونية بالتعاون مع النازيين, للقضاء على يهود شرق أوروبا, باعتبار أن هؤلاء كانوا القاعدة العريضة التي يستند إليها رفض الفكرة الصهيونية على مستوى جماهيري, وكان ممكناً لهم سحب أية شرعية تمثيلية منها.
مفيد التذكير أنه غداة إعلان قيام اسرائيل عام 48 , قامت هذه الطائفة بإرسال رسالة الى الأمم المتحدة, ترفض فيها قرار قيام هذه الدولة, وبلغ الأمر ببعض أعضائها الإعلان بصراحة عن رغبتهم في العيش تحت الحكم الاردني, وهم لايعترفون بالدولة الصهيونية حتى الوقت الحاضر ، و يقوم أعضاؤها بتنكيس الأعلام و الصيام في يوم إعلان تاسيسها, ويواظبون على تنظيم المظاهرات والاحتجاجات السياسية ضدها, وتتبنى هذه الجماعة موقفاً إيجابياً من منظمة التحرير الفلسطينية, وتعلن استعداد أعضائها للعيش كأقلية دينية في ظل حكومة فلسطينية تضمن حقوقها السياسية, وقد قامت بدور إيجابي فعال لصالح الفلسطينيين حين ناقشت المنظمة الدولية فكرة أن الصهيونية حركة عنصرية, وهم على قناعة مطلقة بأنه لن يكون هناك سلام في العالم إلا بزوال دولة الكيان الصهيوني.
وللذين هاجموا حاخامات الناطوراي كارتا, نقول أن هذه الجماعة أصدرت في الذكرى الثالثة والخمسين للنكبة بياناً قالت فيه, نعم لعودة البلاد المقدسة بالكامل إلى الشعب الفلسطيني, ولإعادة جميع اللاجئين الفلسطينيين إلى وطنهم الأصلي والشرعي, وأقامت الصلوات لأن تكون هذه الذكرى هي الأخيرة, وأن يزول الاحتلال بالسرعة القصوى, وتتجلى السيادة الفلسطينية على كامل البلاد المقدسة, ونعلم جميعاً أن أكثر الفلسطينيين تطرفاً يقبل أقل من ذلك بكثير, فلماذا سمح نفر لأنفسهم, وهم لايعرفون عن هذه الجماعة شيئاً, أن يقابلوا الإحسان بالإساءة, ولعلنا مطالبون جميعاً بالاعتذار لهم وتطييب خواطرهم مع أنهم تجاوزوا الموقف بفهم عميق واستمروا في المسيرة حتى النهاية. (الرأي)