كاهن والجنرال!!

طغت على صورة مصر خلال أكثر من نصف قرن مشاهد توزعت بين مباريات كرة القدم والسينما، ومعظم العرب ممن يحبون مصر يعرفونها سياحياً وليس سياسياً، فهي بلد عريق وعميق، ولها سطح مُضلل، ونادراً ما تفتح أبوابها الحقيقية، لهذا يستغرب معظم هؤلاء كيف انتهى الأمر الى مرشحين اثنين فقط، حصل كل منهما على أكثر قليلاً من أصوات الناخبين أو أقل قليلاً منها..
انهما القطبان القديمان في تاريخ مصر، الجنرال والكاهن، فالجيش بالنسبة لمصر ليس مجرد صناعة أو استكمال نصاب للدولة، بل هو الذي أنشأها ووحّدها تاريخياً، وكذلك الكاهن الفرعوني في ديانة انفردت بكتاب الموتى وبيوتهم الشاهقة المتمثلة بالأهرام.
ان ثنائية الكاهن والجنرال هي المعادل الدقيق والمرادف التاريخي المعاصر لما يسمى عسكرة الدولة أو تديينها، لهذا انسحب أحد عشر مرشحاً قبل وصول الجولة الثانية رغم أن منهم من يتمتعون بسيرة سياسية واجتماعية تؤهلهم للقيادة، ومنهم من عبر عما تبقى على قيد السياسة والحلم من الطبقة الوسطى الحاضنة التقليدية للثورات والمثقفين والحراك الاجتماعي.
ورغم أنني اكتب هذه المقالة بعد اعلان النتائج، فلا أشعر بأن الفارق بين الأصوات التي حصل عليها كل من المرشحين كبير أو ساحق، بحيث يحسم الأمر نهائياً وعلى المدى البعيد بين الخوذة والعمامة. وحين يكون الفارق اثنين بالمئة أو ما يقاربها فان أحد المرشحين سيصل الى قصر الرئاسة ويعود الآخر الى منزله.. لكن هذا ليس كل شيء، فالفائزان بين ثلاثة عشر مرشحاً هم الجنرالات والكهنة في تاريخ كان منذ بواكيره الفرعونية ممهوراً بهاتين البصمتين، ولأن الوعي السياحي حل مكان الوعي السياسي والتاريخي لبلد بحجم مصر، فإن معظم من يكتبون عنها فاتهم أن يقرأوا ما كتبه الراحل د. أنور عبدالملك عن تكون جيشها وما كتبه د. حمدان عن عبقريتها.
ومن أنشأ مصر الحديثة وسعى الى عصرنتها وارسال البعثات الى أوروبا طلباً لعدوى الحداثة هو طباخ ألباني في الجيش أصبح فيما بعد محمد علي باشا. الرجل الذي اقترح عليه أحد مستشاريه أن يقرأ كتباً من طراز الأمير لميكافيلي وما كتبه الّسخاوي عن فقه الحكم والقيادة، فسخر منه وقال له اذهب أنت فاقرأها، لأنني مُتفرغ لاعداد حملة، فأنا أصنع التاريخ ولا اقرأه..
ذلك هو منطق الجنرال على اختلاف ألقابه من باشا الى مُشير الى أميرلاي وحتى بكباشي، ولم تكن الغلبة في انتخابات مصر التي وصفت بالنزاهة للكاهن والجنرال مجرد مصادفة أو لقصور في أحد عشر مرشحاً بينهم من غنت له مصر ذات يوم وقيل ان النظام القديم ركله الى أعلى تخلصاً منه وهو عمرو موسى.
ان اساءة فهم العرب للعراق الذي لم يكن بالنسبة اليهم الا ناظم الغزالي والتمر ودجلة وأسد بابل والحدائق المعلقة والنفط هي ما أدى الى تلك الصدمة القومية، فالعرب يجهلون بعضهم، ويتعاملون سياحياً وفضائياً وبأسعار العملات مع دولهم! ( الدستور )