نظرية المسرح الشامل للفوضى
تم نشره الأحد 29 تمّوز / يوليو 2012 12:48 صباحاً

د.باسم الطويسي
بعد استقرار الأحوال لنخب جديدة في السلطة في أربع عواصم عربية بعد ثورات شعبية عاصفة، يبدو السؤال في هذا الوقت هل تغير النظام العربي الرسمي، وهل ثمة أدلة على الأرض تثبت أن سلوك الأنظمة الجديدة جاء بقيمة مضافة أو جديدة في أداء النظام العربي الرسمي في القضايا الساخنة التي لا تنتظر تأجيلا، وتحتاج الى مواقف ومعالجات فورية وعلى رأسها الموقف من الأوضاع في سورية.
للتاريخ، سوف يؤرخ لتحولات مهمة في سلوك النظام العربي الرسمي في الأشهر القليلة التي سبقت الربيع العربي وأثناء الثورات العربية أكثر مما نشهده اليوم من تفاعلات للأنظمة السياسية الجديدة، ولعل مثال دور الجامعة العربية في مساندة التغيير في ليبيا وإلى حد ما في سورية يعد تحولا كبيرا في القيم السياسية وفي منهجية العمل العربي المشترك، بينما من الملاحظ أن النظام العربي الذي يفترض ان يكون جديدا بعد الثورات، ما يزال يستند إلى قيم النظام الرسمي التقليدي ويستخدم أدواته على استحياء، ولعل ذلك واضح من موقف الرئيس المصري الجديد من الأوضاع في سورية، وهو موقف مصري تقليدي لم يتغير عمليا حتى لو كان الرئيس مبارك ما يزال في السلطة رغم الخلفية الأيدولوجية والتنظيمية الإخوانية المشتركة.
من الواضح أن فرص استعادة مصر لدور قيادي في النظام العربي الجديد أصبحت أكثر صعوبة لأسباب داخلية ترتبط بضعف هيكل النظام الجديد ونخبه، ولعل شخصية الرئيس وشخصية رئيس الوزراء المرشح وسلسلة تكوين النخبة السياسية الجديدة لا تدل على احتمالات تأتي بالجديد، بينما ثمة تحولات عميقة تنسج بدون أن يصاحبها ضجيج إعلامي تعيد صياغة الهياكل التقليدية الإقليمية؛ منها التحالف السوري العراقي المتصاعد في مواجهة الأوضاع السورية المتصاعدة، وعودة شبح الاقتتال العراقي الداخلي بعد سلسلة التفجيرات الأخيرة التي شهدتها مدن عراقية وسط تناقض طائفي يزداد حدة وتوترا، وهو الحال الذي ينتقل الى لبنان بين وقت وآخر، فيما تقود كل هذه التحولات نحو نظرية (المسرح الشامل)؛ أي تثوير أو زج منطقة المشرق العربي من العراق مرورا بسورية ولبنان وحتى الأردن بحالة فوضى شاملة لا تتوقف على فوضى أمنية واشتباكات متبادلة، بل واحتمالات حرب تفجر الدمامل المزمنة من إيران إلى حزب الله وحسم الأوضاع في سورية.
السؤال في هذا الوقت؛ ما علاقة نظرية المسرح الشامل للفوضى بتغيير النظام العربي.؟ الإجابة المرشحة لهذا السيناريو تتمثل في حجم ضعف هذا النظام ليس في هياكله التقليدية بل في التفاعلات بين المحاور وإعادة صياغتها وعلاقتها بالمجال الدولي. لا شيء تغير في هذه التفاعلات أكثر من المزيد من الضعف. ثمة أشياء وأدوار ماتت ولم يولد البديل منها.
كل من يفكر في إدارة المصالح في عالم عربي يتشكل من جديد بقوة وسرعة كسرتا حدة رتابة التاريخ وسكونه الذي سيطر على هذا الجزء من العالم، عليه ان ينتبه بقوة إلى خطوط الجغرافيا التقليدية وماذا سيتبقى منها مع ولادة قيم سياسية جديدة هنا، وبروز نخب لم تكن يوما في الحسبان هناك، حافظت خرائط الانقسام العربي على رتابة واضحة منذ ميلاد دولة الاستقلال، وما لا يتذكره الكثيرون أن صراع العواصم وفق حقائق الجغرافيا التقليدية ما تزال له الفرص الأقوى بالعودة.
سبق التغيير الذي يجري اليوم في القيم السياسية دخول أطراف جديدة أصبحت تعد من اللاعبين الأساسيين في النظام الاقليمي، حيث لا يمكن الحديث عن مستقبل خرائط الاصطفافات فيما بعد عصر الثورات العربية بين بغداد والقاهرة ودمشق والرياض بدون أن تدخل في المعادلة طهران وأنقرة على سبيل المثال؛ فالجغرافيا تعود لترسم المصالح مرة أخرى بقوة ستتجاوز الهوية والثقافة، ومن المحتمل أن تتجاوز أيضا القيم السياسية الجديدة أيضا.
(الغد)