سؤال الفقر لا يتعلق “بالرغيف” فقط

تم نشره الجمعة 28 كانون الأوّل / ديسمبر 2012 01:08 صباحاً
سؤال الفقر لا يتعلق “بالرغيف” فقط
حسين الرواشدة

حقاً.. ماذا يريد المواطن في بلادنا؟ فرصة عمل مناسبة توفر له ما يلزم من دخل ومستوى معيشي لائقاً؟ سكن كريم يعفيه من دفع نصف راتبه؟ مدارس وجامعات تؤمن لاولاده تعليمهم بأقل ما يمكن من تكلفة وأعلى ما يمكن من كفاءة؟ طبابة ميّسرة بتأمين صحيح وأدوية متوفرة ومستشفيات غير مزدحمة؟ ألا يكفي ذلك..؟ بالطبع: كلا،

قد يبدو سؤال الفقر الذي ينشغل الكثيرون بابتداع الاجابة عليه او الاجتهاد في مواجهته مفهوماً حين يفتح احدنا ملف حاجات المواطن ، او حين يلتقط ما يصدر من ذبذبات تختزل ما نعانيه في البحث عن الرغيف او العيش بصوره المختلفة التي أشرنا اليها سلفاً ، لكن الحقيقة ان ما يريده المواطن - أي مواطن - يتجاوز هذه الأساسيات والضرورات الى ما سبق وأشار اليه فقهاؤنا من تحسينات وكماليات ، وهي - بالتأكيد ، لا تتعلق بالرفاه ، وان كان مطلوبا ، وانما بنوع آخر من الضرورات الاجتماعية التي تتعلق بالحرية والديمقراطية والشعور بالكرامة الوطنية والعدالة وغير ذلك من الحقوق التي من شأنها ان تحقق أمنه الاجتماعي وثقته بوطنه والتزامه بمسؤولياته وواجباته تجاه مجتمعه والاخرين.

ليس هذا تنظيراً في اطار التنمية الشاملة التي يجري الحديث عنها باستمرار ، ولكنه مجر تذكير للذين يحاولون ان يختزلوا هموم المواطن وحاجاته وما يفكر به في مربع العيش والضرورات الانسانية فقط ، ومع أنني ادرك ان الظروف الصعبة التي تمر بها تدفع البعض الى خفض مستوى مطالبهم ورغباتهم وحصرها في دائرة مواجهة الفقر ، الا ان ثمة انواعاً اخرى من هذا الفقر لا بد ان تدرج في هذا السياق: الفقر السياسي والفقر الاجتماعي والاعلامي والفكري.. فقر المواطن الى المعلومات والشفافية في اتخاذ القرار ، فقر الناس الى الروح الوطنية والمعنوية ، فقر الشارع الى مؤسسات ونخب قادرة على توجيهه وقيادته ، فقر المجتمع الى افكار وابداعات تساعده في الخروج من صمته وانكساراته ، فقر القرارات والمقررات الى المنطق والاقناع والتأثير ، فقر الحكومات الى ادوات الوصول الى الناس ، وفقر الخطاب السائد ، بمصادره المختلفة ، الى الواقعية والصواب ايضاً.

تحتاج الانسدادات الاقتصادية احياناً الى وقت ما لاعادة فتحها ومعالجتها او محاصرتها ، ويتحمل المواطن احياناً اضطرارات حكوماته الى اتخاذ القرارات الصعبة والعمليات الجراحية المؤلمة ، لكن لا يجوز ان يتزامن هذا الانسداد مع انسدادات اخرى في السياسة او الاعلام او الفكر ، ولا يبدو مفهوما - ايضا - ان يتركز انشغالنا في اولوية واحدة مهما كانت مهمة ، ولا في دائرة التشخيص والشكوى ولمطالبة فقط ، والمطلوب ان ننطلق من هذه الدوائر الضيقة الى مجالات اوسع تجيب بالفعل عن سؤال: ماذا يريد المواطن ، وبماذا يفكر ، وسؤال المواطن - هنا - اختصار او رمز لسؤال البلد ، بمعني: ماذا يريد الوطن حقاً ، وما هي اولوياته ، وهل الازمة التي يعاني منها اقتصادية بامتياز ، ام انها تتجاوز الاقتصاد الى غيرها من المهادات السياسية والاجتماعية.. الخ.

قديماً قيل: ليس بالخبز وحده يحيا الانسان وتكرر - الآن بأن مواطننا الذي يتحمل قساوة العيش ، ويشد حزامه على بطنه ، يستحق منا ان نتقدم الى رؤيته وتفكيره بدل ان نشده الى مربعات نضعها بالنيابة عنه ، ونحصره من خلالها بدائرة الحاجة الى الرغيف فقط مع ان عافيته - التي هي عافية الوطن - تحتاج الى الحب والى الشمس ايضا.

( الدستور ) 

 



مواضيع ساخنة اخرى
الإفتاء: حكم شراء الأضحية عن طريق البطاقات الائتمانية الإفتاء: حكم شراء الأضحية عن طريق البطاقات الائتمانية
" الصحة " :  97 حالة “حصبة” سجلت منذ أيار لدى أشخاص لم يتلقوا المطعوم " الصحة " : 97 حالة “حصبة” سجلت منذ أيار لدى أشخاص لم يتلقوا المطعوم
الملكة في يوم اللاجىء العالمي : دعونا نتأمل في معاناة الأمهات والرضع الملكة في يوم اللاجىء العالمي : دعونا نتأمل في معاناة الأمهات والرضع
3341طن خضار وفواكه ترد للسوق المركزي الثلاثاء - اسعار 3341طن خضار وفواكه ترد للسوق المركزي الثلاثاء - اسعار
الدهامشة : الداخلية وفرت كل التسهيلات لقدوم العراقيين للأردن الدهامشة : الداخلية وفرت كل التسهيلات لقدوم العراقيين للأردن
العلاوين: التوسعة الرابعة ستمكن المصفاة من تكرير 120 ألف برميل نفط يوميا العلاوين: التوسعة الرابعة ستمكن المصفاة من تكرير 120 ألف برميل نفط يوميا
" الائتمان العسكري " : تمويل طلبات بقيمة 13 مليون دينار " الائتمان العسكري " : تمويل طلبات بقيمة 13 مليون دينار
العيسوي يفتتح وحدة غسيل كلى بالمركز الطبي العسكري بمأدبا العيسوي يفتتح وحدة غسيل كلى بالمركز الطبي العسكري بمأدبا
الصحة: مخزون استراتيجي للأمصال المضادة للدغات الأفاعي الصحة: مخزون استراتيجي للأمصال المضادة للدغات الأفاعي
بالاسماء : تنقلات واسعة في امانة عمان بالاسماء : تنقلات واسعة في امانة عمان
عضو في لجنة الاقتصاد النيابية: بطء شديد في تنفيذ رؤية التحديث الاقتصادي عضو في لجنة الاقتصاد النيابية: بطء شديد في تنفيذ رؤية التحديث الاقتصادي
إخلاء طفل من غزة لاستكمال علاجه بالأردن إخلاء طفل من غزة لاستكمال علاجه بالأردن
تسجيل 14 إصابة بالملاريا جميعها إصابات وافدة منذ بداية العام تسجيل 14 إصابة بالملاريا جميعها إصابات وافدة منذ بداية العام
ملك إسبانيا : الأردن هو حجر الرحى في الاستقرار الإقليمي ملك إسبانيا : الأردن هو حجر الرحى في الاستقرار الإقليمي
الملك : حل الدولتين أساسي لتحقيق السلام والازدهار في المنطقة الملك : حل الدولتين أساسي لتحقيق السلام والازدهار في المنطقة
الهواري يؤكد أهمية ضبط العدوى لتقليل مدة إقامة المرضى في المستشفيات الهواري يؤكد أهمية ضبط العدوى لتقليل مدة إقامة المرضى في المستشفيات