الكراهية الناعمة !!

بعد هزيمة حزيران عام 1967 كانت الآفاق كلها رمادية، وبحث الناس يومئذ أو بمعنى أدق «حزيرانئذ» عن أية ومضة أو كوة في الجدار، وكان من ملاذاتهم ما تسرب اليوم من العرب المنسيين وهم فلسطينيو عام 1948 الذين يسمون الآن وفق قاموس الانحطاط عرب اسرائيل وهم في الحقيقة عرب العرب.
فقد دافعوا وحدهم كالرماح المزروعة في الرمال والتراب عن هويتهم ولغتهم ونسبهم القومي، وحين أفرط بعض العرب في الثناء على هؤلاء كما لو أنهم يسددون مديونية اخلاقية ووطنية قال لهم محمود درويش في صرخته الشهيرة: انقذونا من هذا الحب القاسي.. ويبدو ان هناك بالفعل من الحب ما قتل وما اصبح أنكى من الكراهية خصوصاً عندما أصبح من الصعب التفريق بين القُبلة على الخدّ والعضة التي تنهشه!
مقابل ذلك الحب القاسي هناك الآن كراهية ناعمة، يرتدي فيها الذئب قناع غزال ويحاول الغراب ان يهدل مقلداً الحمامة لكنه يخسر المشيتين والصوتين معاً، ويمكث في الخرائب مشلولاً وأخرس.
الكراهية الناعمة، سلاحها المزدوج نفاق وتذلل وتطبيع علاقات لا تقبل التطبيع فثمة حيوانات وطيور استطاع البشر تدجينها وعاشت بينهم وبين مهود أطفالهم مقابل حيوانات أخرى فشل الانسان في تدجينها اللهم الا في الحالات التي يستأصل فيها أنيابها كما يفعل بالأفاعي.
فهل قدرنا كعرب ان نتحرك كبندول الساعة بين النقائض؟ بين الافراط في النفاق والاسراف في الكراهية؟ وبين الحب القاسي والكراهية الملساء. الأرجح ان جذر هذا الداء الاجتماعي والوباء الاخلاقي تربوي بامتياز، فنحن منذ طفولتنا نخاف اكثر مما نحترم ونتزلف اكثر مما ننجذب أو نحب، فالمعلم العطوف والحاني لا نستجيب له بعكس الآخر القاسي الذي يوجعنا كلاماً وضرباً، لكأن نوعاً من الماسوشية أو التلذذ بالألم تكون في اللاوعي، وأصبح تعريفنا للقوي بأنه من يلحق الاذى بالآخرين ولا يتسامح مع الأخطاء، وليس من هو قوي في روحه وعقله وداخله.
حتى أمثالنا المأثورة تحذرنا من الطيب الضعيف وتربي في ذاكرتنا وقلوبنا الريبة من أي كائن حنون وغير عدواني.
أعرف ان مثل هذه الظواهر منوطة بعلماء نفس واجتماع ومتخصصين في التربويات، لكن ما فاض من هذه الظواهر اصبح يستوقف الجميع، بحيث يتساءلون: الى متى ستبقى هذه المراوحة بين حب أشبه بثمرة الصبير التي تدمي أشواكها الأصابع وبين كراهية بنعومة جلد الثعبان.
وفي زحام هذه الاحداث السياسية وضجيج الاعلام المراوغ الأشبه بالطبول لا مكان لثقافة اجتماعية وتربوية أو رصد علمي لما تنوء به النفس من أثقال.
لكن ما يغيب عن الساسة هو ان ما يفرزه واقعهم من أمراض الاستحواذ والاحتكار والاقصاء المتبادل هو نتاج ثقافة اجتماعية وتربية عمياء.
فمن صدق أن الكف لا تلاطم المخرز فقأت المخارز كلها عينيه وثقبت رأسه ومن صدق ان جلده لا يحكه غير أظفره قلعت أظافره تحت التعذيب. أليس من حقنا بعد كل هذا الخراب والدمار والانتحار القومي أن نصرخ بأعلى صوت:
كفــى حبـــــاً قاسيــــــاً
وكفى كراهية ملساء!!
( الدستور )