ذوقيات

تم نشره الإثنين 31st كانون الأوّل / ديسمبر 2012 12:04 صباحاً
ذوقيات
د. رحيّل غرايبة

لقد صدر كتاب جديد من القطع الصغير بعنوان "الذوق السليم" للأستاذ فاروق بدران، يعالج فيه مسألة اجتماعية على غاية من الأهمية والخطورة والأثر الكبير في حياة الشعوب والأمم، وتستحق الرعاية والاهتمام البالغين من المؤسسات التربوية والتعليمية جميعها، منذ البستان والروضة ومروراً بالمدرسة والجامعة وانتهاءً بالأحزاب والقوى السياسية على الصعيد المحلي.

عندما تسير في الشارع العام، أو تدخل السوق، وعندما تتجول في ساحات الجامعات، وفي ردهات المباني الحكومية، وعندما تهم في دخول قاعات المحاضرات، تشعر بالحاجة الماسّة إلى ضرورة تعليم أبنائنا مادة دراسية تحت عنوان "ذوقيات" من أجل أن يتعلموا كيفية التعامل مع الآخر، وكيفية الخطاب، وأدب السؤال وأدب الحوار وأدب الجواب، ومن أجل أن نتعلم جميعاً كيف نسير في الشارع وفي الزحام، وأين نقف، وكيف نجلس، وكيف نحترم الكبير، وكيف نعطف على الصغير وكيف نقدم المساعدة إلى ذوي الحاجات، وكيف نتعامل مع الأدوات والوسائل والمنجزات الحضارية بطريقة سليمة.

أعتقد أن مادة الذوقيات "كمتطلب جامعي" ضرورة ملحة تفوق أهميتها كل المتطلبات الأخرى على أهميتها من أجل إعادة بناء الذوق الانساني الرفيع، ومن أجل إتمام البناء المعرفي والتربوي لهذا الآدمي حتى يكون مشروع مواطن صالح قادر على احترام ذاته، وقادر على خدمة شعبه ووطنه بأسلوب حضاري راق، وبمنهجية سليمة قادرة على تعظيم الانجاز وتحسين الأداء وتجويد العطاء، وتسهيل الحياة في المجتمع وبين جميع الأفراد.

لقد اهتم القرآن اهتماماً ملحوظاً بصقل الذوق الإنساني، وتجويد الاداء الانساني في التفاعل مع موجودات الكون، بحيث كانت مقصداً شرعياً أصيلاً من مقاصد الشريعة الكبرى، كما اعدها تمثل الثمرة الحقيقية والفعلية للتعلم والتعبد والتفقه، بحيث يتم اختصار الدين كله بكلمة واحدة كما ورد في بعض الآثار: "انما الدين المعاملة"، فقد خاطب الله عز وجل الناس على لسان لقمان الحكيم معلماً ابنه: "واغضض من صوتك"، "ولا تمش في الأرض مرحاً"، وورد عن الرسول محمد صلى الله عليه وسلم آثاراً عديدة تحض على الرفق، وحسن الخلق، والتواضع، والصبر وعظيم الأدب والإحسان في كل شيء، وحض على لين الجانب وبشاشة الوجه، وإفشاء السلام، وغض البصر والصدق في الحديث، والوفاء بالعهد، والالتزام بالوعد..، كل ذلك من أجل بناء الانسان الصالح، والمواطن العامل المنتج بكفاءة، ومن أجل ايجاد مجتمع نظيف متماسك يسوده الاحترام المتبادل والخلق العالي والتعامل النظيف والذوق الرفيع، الذي يعود بالنفع على كل الأفراد وعلى كل المخلوقات.

مسألة الاهتمام بالذوق ليست مسألة ثانوية، والحديث فيها لا يأتي من باب الترف، بل هي من صلب الحياة، وما نتعرض له من محاولات اغتيال يومياً على الطرقات من تصرفات رعناء، وقيادة طائشة للمركبات، ومراهقات وسلوكات تخدش الحياء، وتسيء إلى المشاعر وتؤذي الروح والأعصاب، وقد تودي بالحياة، إلاّ لانعدام الذوق عند بعض الأفراد الذين يرون في الغلظة رجولة، وفي البلادة تحقيق للذات.

فما هو الضرر الذي يعود على الشخص عندما يتصرف باحترام وتقدير للآخر، وما هي المتعة التي يشعر فيها بعضهم عندما يمارس السخرية والتهكم بحق الزملاء، ولماذا يصر أحدهم على نفث دخان سيجارته في وجوه القوم، وفي

المركبات العامة، ولماذا يتم اغلاق الشارع العام بسيارات مواكب الفرح، ولماذا يقدم أحدهم نفسه على الآخرين وهو صفوف "وطوابير" على حاجاتهم.

لماذا لا نسعى لإيجاد ميثاق اجتماعي، نعظم من خلاله مرجعية القيم والأخلاق والأعراف الاجتماعية الصحيحة، ولماذا لا تبادر الجامعات والمؤسسات التربوية إلى الإسهام في تصحيح البناء الاجتماعي الذي يتعرض للوهن، وترميم ما يمكن ترميمه، ولماذا لا ندخل ذلك في مناهجنا وكتبنا وبرامجنا الإعلامية، ولماذا لا نعيد الحياة إلى مجتمعاتنا، ومدارسنا، وشوارعنا، ولماذا لا نرحم أنفسنا وأوطاننا ومستقبلنا.

( العرب اليوم )

 



مواضيع ساخنة اخرى
الإفتاء: حكم شراء الأضحية عن طريق البطاقات الائتمانية الإفتاء: حكم شراء الأضحية عن طريق البطاقات الائتمانية
" الصحة " :  97 حالة “حصبة” سجلت منذ أيار لدى أشخاص لم يتلقوا المطعوم " الصحة " : 97 حالة “حصبة” سجلت منذ أيار لدى أشخاص لم يتلقوا المطعوم
الملكة في يوم اللاجىء العالمي : دعونا نتأمل في معاناة الأمهات والرضع الملكة في يوم اللاجىء العالمي : دعونا نتأمل في معاناة الأمهات والرضع
3341طن خضار وفواكه ترد للسوق المركزي الثلاثاء - اسعار 3341طن خضار وفواكه ترد للسوق المركزي الثلاثاء - اسعار
الدهامشة : الداخلية وفرت كل التسهيلات لقدوم العراقيين للأردن الدهامشة : الداخلية وفرت كل التسهيلات لقدوم العراقيين للأردن
العلاوين: التوسعة الرابعة ستمكن المصفاة من تكرير 120 ألف برميل نفط يوميا العلاوين: التوسعة الرابعة ستمكن المصفاة من تكرير 120 ألف برميل نفط يوميا
" الائتمان العسكري " : تمويل طلبات بقيمة 13 مليون دينار " الائتمان العسكري " : تمويل طلبات بقيمة 13 مليون دينار
العيسوي يفتتح وحدة غسيل كلى بالمركز الطبي العسكري بمأدبا العيسوي يفتتح وحدة غسيل كلى بالمركز الطبي العسكري بمأدبا
الصحة: مخزون استراتيجي للأمصال المضادة للدغات الأفاعي الصحة: مخزون استراتيجي للأمصال المضادة للدغات الأفاعي
بالاسماء : تنقلات واسعة في امانة عمان بالاسماء : تنقلات واسعة في امانة عمان
عضو في لجنة الاقتصاد النيابية: بطء شديد في تنفيذ رؤية التحديث الاقتصادي عضو في لجنة الاقتصاد النيابية: بطء شديد في تنفيذ رؤية التحديث الاقتصادي
إخلاء طفل من غزة لاستكمال علاجه بالأردن إخلاء طفل من غزة لاستكمال علاجه بالأردن
تسجيل 14 إصابة بالملاريا جميعها إصابات وافدة منذ بداية العام تسجيل 14 إصابة بالملاريا جميعها إصابات وافدة منذ بداية العام
ملك إسبانيا : الأردن هو حجر الرحى في الاستقرار الإقليمي ملك إسبانيا : الأردن هو حجر الرحى في الاستقرار الإقليمي
الملك : حل الدولتين أساسي لتحقيق السلام والازدهار في المنطقة الملك : حل الدولتين أساسي لتحقيق السلام والازدهار في المنطقة
الهواري يؤكد أهمية ضبط العدوى لتقليل مدة إقامة المرضى في المستشفيات الهواري يؤكد أهمية ضبط العدوى لتقليل مدة إقامة المرضى في المستشفيات