عام الحيرة

لو طلب مني ان اختار اسماً للعام الذي مضى لأطلقت عليه عام «الحيرة»، ذلك حيثما تولّي وجهك في عالمنا العربي وتدقق في الوجوه التي تراها والاحداث التي تتابعها والتصريحات التي تسمعها لا تجد سوى صورة واحدة اسمها «الحيرة» ولا تسمع الا صوتا واحدا يتردد صداه في كل مكان عنوانه «الحيرة» ايضا.
في البلدان التي انجزت ثوراتها وتحولاتها ما يزال الناس مسكونين بهواجس «الحيرة» والتيه، وفي البلدان التي تتلمس طريقها نحو التغير ثمة حالة من «التوهان»، وفي البلاد الاخرى التي تعتقد انها تجاوزت «تسونامي» الربيع العربي ثمة احساس لا يمكن اخفاؤه «بحيرة» تتغلغل داخل كل حركة رغم ما يبدو على السطح من هدوء.
حين تدقق في الصورة تكتشف بان الحالة تبدو طبيعية بامتياز، فنحن رغم ما حدث من تحولات لم نغادر مربع الشك ولم نصل الى اليقين، انجز البعض التغيير لكنهم لم يفلحوا في التوافق على البديل، نجحوا في الهدم لكنهم لم يتمكنوا من البناء، قدّموا ما بوسعهم ان يقدموه من دماء وتضحيات ودموع لكنهم لم يقطفوا الثمار بعد، زرعوا في الميادين ما لديهم من بذور لكنهم ما زالوا يقفون حول البيدر، بانتظار معرفة حجم المحصول واقتسام الغلّة.
لا شك بان عدوى «الحيرة» ستنتقل الى العام الجديد، فمخاضاتها لم تنته برؤية «الولادات» الجديدة، وتحولاتها لم تسفر عن يقين سياسي يطمئن الناس على نهاية مرحلة وبداية مرحلة اخرى، لكن من قال إن «الحيرة» ستظل قدرا يطارد الانسان العربي، الم نمرّ جميعا في دروب الشك والارتباك قبل ان نصل الى «ارصفة» الايمان والاطمئنان.
لقد خرجنا من «اعوام» القبول والانصياع والاستسلام، هذا انجاز يسجل للشعوب العربية، وخرجنا من عام «النكسة» و»النكبة».. وقبلها من عام «الرمادة» وعام «الفيل» .. لا تقل ان «ارث» هذه الاعوام ما زال فوق ظهورنا، او ان اصداءها ما تزال تتردد في صدورنا، وان كنا نتحايل على تسميتها او انكارها او التوهم بأنها انتهت، فمن حسن حظ امتنا انها خرجت بعد كل هذه الكوارث حيّة واقفة، صحيح ان «النهضة» تأخرت وان التحرير ما زال حلما، وان القيود ما تزال ملتفّة حول المعاصم، لكن صحيح ايضا اننا غادرنا اعوام الطاعة والرضا والقناعة ودخلنا عصر «الشك» والحيرة، وبدأنا نبحث عن سكة النهوض والحرية والكرامة.
في عام «الحيرة» ثمة افكار ماتت، واخرى ولدت، ثمة شعوب اعلنت قيامتها، ووجوه تكشفت سوءاتها، ثمة هواء جديد بدأ ينعش الذاكرة العربية واحلام كانت ممنوعة اصبحت حقائق تمشي على الارض.
في العام الجديد لا بد ان غبار «الحيرة» سيتبدد شيئا فشيئا، ولا بد ان الرؤوس التي كانت «مهطعة» طيلة عقود طويلة سترتفع لتؤذن بعصر جديد مختلف.. عصر يحمل الأمل ويصنعه اولئك الشباب الذين اثبتوا ان الطريق الى «اليقين» والعافية يمر بالضرورة بمحطة «الحيرة» وان حيرة «الأوطان» افضل من وهم احساسها بالحركة والأمان.
كل عام وانتم بخير
( الدستور )