التمكين الرقمي للمرأة

أصبح موضوع التمكين للمرأة موضة من موضات العصر، وأصبح مادة للحديث وعنوانا كبيرا للمؤتمرات والحوارات والمناقشات الدائرة في أروقة الفنادق وفي مختلف المنتديات الثقافية والاجتماعية والسياسية، ومجالاً رحباً للاستثمار وتكوين الجمعيات وجذب المساعدات الخارجية والمنح الأجنبية المخصصة من بعض الدول الغنية للمجتمعات الفقيرة والنامية، وجزءاً من نشاط وزارات الخارجية في الدول الكبرى في مجال نشر الديمقراطية في المناطق التي تعاني من تسلط الأنظمة المستبدة والطريقة البوليسية في إدارة الحكم.
موضوع التمكين للمرأة أخذ بعداً شكلياً رقمياً، في الصيغة العامة للأنشطة المحمومة في هذا المجال، بحيث أصبحت التقارير المرفوعة من الجهات التي تتلقى الدعم المشروط للجهات الداعمة والراعية لهذا النشاط المدني تعتمد لغة الأرقام للتدليل على النجاح ومؤشراً على التقدم والانجاز في تحقيق هذا الهدف، أي بمعنى الاجابة على الأسئلة القائلة كم امرأة أخذت حقيبة وزارية في الحكومة، وكم امرأة حصلت على مقاعد برلمانية، وكم شركة تديرها امرأة، وكم نسبة النساء في قطاع الوظائف العامة والخاصة، مما جعل رؤساء بعض الحكومات يقولون بعد تشكيل الحكومة: "الله يلعن الشيطان، نسينا المرأة وما وضعنا ولا وزيرة، ولذلك دبروا الموضوع بسرعة" مما قد يؤدي إلى استحداث وزارة خاصة، لم تعرفها كل دول العالم، لأنها بلا مضمون وبلا مهمة سوى أن تكون (خرزة زرقاء)، ومثل ذلك فرض الكوتات للنساء أو بعض الفئات، فكل ذلك يمثل تحايلا على الحقيقة وضربا من ضروب المخادعة.
"الخرزة الزرقاء" أصبحت منهجاً واضحاً في التعامل مع موضوع تمكين المرأة، سواء في الحكومات أو البرلمانات، أو الأحزاب والجمعيات مما يدل دلالة واضحة على طريقة متخلفة ومنهجية سقيمة لا تخرج عن مجرّد الشكل والإطار والدعاية الخادعة، التي نخدع بها أنفسنا، ونخدع الرجال والنساء، ونظلم الحقائق، ولا نحقق أي تقدم ملحوظ في هذا الجانب، بل نمثل إمعاناً في التخلف وإصرارا على المواربة.
عند العجز عن تحقيق الثقافة المجتمعية العادلة التي ترسي عرف اختيار صاحب الكفاءة سواء كان رجلاً أو امرأة أو شاباً، وعندما نعجز عن ارساء معايير الفرز والانتخاب الصحيحة، ونبتعد عن أسلوب البحث عن صاحب الخبرة والتخصص والمُكْنَة التي تؤهله لاستلام موقعه، ويبسط علينا التعصب الأعمى للقبيلة أو الجنس أو الجهة أو المنطقة نلجأ إلى مخادعة النفس والضحك على الذات والكذب الأبيض.
المنهج الصحيح في هذا الجانب، هو إرساء الثقافة السلمية في المجتمع، وتربية الأجيال على معاني الفكر الصحيح، وصياغة الانسان الصالح الذي يملك أسس التفكير الصحيح والمنهجية العلمية في التعامل مع الوجود، ومحاربة التعصب والانغلاق والتقليد الأعمى بلا هوادة، وتدريب الشباب والناشئة والرجال والنساء وتأهيلهم ليكونوا قادرين على امتلاك معايير الفرز والاختيار، وبغير ذلك سوف نبقى نعيش الخديعة الكاملة.
وقد يسارع بعض المتعجلين إلى السخرية والتهكم من هذا الطرح، ويشعرون بأن هذا من ضروب المثالية المحلقة بالخيال، ولكن أود القول: أن ذلك ربما يكون صعباً، وقد يبدو شاقاً أو مستحيلاً ولكن ليس هناك طريق آخر، ولو أن الجهود والأموال المبذولة في هذا المجال، كانت في الاتجاه الصحيح وبطريقة صحيحة وبمنهجية سليمة، لكانت النتائج أفضل بكثير مما هي عليه الآن، وكل ما تم التوصل إليه حتى الآن يسهم في تعميق الجرح ولا يداويه، ويزيد من استفحال المرض ويؤخر عملية الشفاء.
( العرب اليوم )