عمان التي لا نعرفها

تحولت عمان امس الى مدينة “مغلقة”، حركة السير توقفت تماما، كل الشوارع الرئيسة والفرعية ازدحمت بالسيارات، رجال السير اختفوا تقريبا، بعض المواطنين أوقفوا سياراتهم على الأرصفة وتطوعوا لتنظيم الحركة.
هذه عمان التي لا نعرفها، من يصدّق بأن المسافة التي كنت أقطعها بالسيارة في ربع ساعة في وقت الذروة تحتاج الى ساعتين، من يصدق بأن شوارع عمان التي كانت من أنظف الشوارع في العالم تحولت الى “مكبات” للنفايات، ومجرى للسيول والبحيرات ومن يصدق بأن “أمانتها” التي كانت حتى وقت قريب من “أغنى” مؤسساتنا أصبحت تشكو من المديونية وتخشى من الإفلاس.
حدّق في عمان، في صورتها أيام “الشتوة” الاخيرة، وفي تصريحات المسؤولين عن “المستور” الذي انكشف وفي “النعي” الذي صدر على اكثر من لسان حول “شبكة الصرف الصحي”، هل تصدق بأنه لا يوجد لدينا شبكة كاملة للصرف الصحي، وبأن ما لدينا الان ليس اكثر من “توصيلات” انتهى عمرها الافتراضي، هل تصدق بأن كل المليارات التي صبت في الأمانة ومشروعاتها الفاشلة لم تحرك مسؤولا للتفكير في بناء شبكة صرف تتناسب مع معدل هطول الامطار في بلادنا.
حين كنت أمس أقف في طابور طويل من السيارات التي اصطفت على امتداد الشوارع في عمان حدّقت طويلا في وجوه الناس فرأيت في عيونهم مزيجا من الدهشة والحزن، فلا احد منهم توقع أن تدبّ الفوضى في شوارعنا كما رآها امس، ولا احد منهم الاّ وشعر بالحزن على عمان الحبيبة التي ودّعت سنوات التنظيم وسلاسة السير ونظافة الارصفة والشوارع واصبحت في غفلة من الجميع “ميدانيا” للزحام والقمامة ومعرضا مخجلا “للحفر” والشقوق والمطبات.
من أوصلنا الى هذه النتيجة؟ هل يعقل ان يمضي عامان وعاصمتنا بلا مجلس وبلا “عمدة”، وهل ما زلنا مصرين على ان أهل عمان لا يستحقون ان ينتخبوا أمينا لعاصمتهم؟ هل يعقل ان يعجز “اسطول” من الموظفين في الامانة عن “إنقاذنا” في شتوة لم تتجاوز بضعة أيام؟ اين ذهبت مئات الملايين التي دفعها أهل العاصمة دون أن يروا أثرا من خدمة؟.
كانت صورة عمان أمس، بشوارعها التي “أغلقتها” آلاف السيارات وبأرصفتها التي ما تزال مغطاة بالأتربة، والقمامة، وبأهلها الذين افتقدوا من ينظم “السير” لمركباتهم، صورة غريبة، فهذه ليست عمان التي نعرفها، وليست عمان التي نحب ان تكون أجمل العواصم.
آسف اذا كان ما كتبته مجرد “فشة خلق”، لكنها الحقيقة المرّة التي كشفها يوم جديد ذاب فيه الثلج، وانسدت عروق الناس وهي تنتظر على الطرقات لحظة “فرج” مرورية. وانكشف المستور الذي رأينا صورته في “عمان” بعد ان تعذر علينا رؤيته في مناطق اخرى من بلدنا العزيز.
( الدستور )