وزراؤنا ووزراؤهم .. من يعتذر لمن؟!

لم يفكر أحد من الوزراء ان يذهب الى “الناس” في مناطقهم للاطمئنان على أوضاعهم اثناء “الثلجة” الاخيرة، وحتى بعد ان ذاب الثلج او أوشك ان يذوب لم نسمع ان وزيرا تفقد “المناطق” التي تضررت، ربما تكون “برودة” الطقس حالت دون ذلك، وربما يكون لدى هؤلاء الوزراء “اعمال” اهم في مكاتبهم “الدافئة، وربما لشعورهم بأن الحكام الاداريين والمسؤولين الاخرين قاموا بالواجب. وكفاية.
بعض المواطنين في الاطراف “بُحّت” أصواتهم وهم يستغيثون، لكن المسؤولين في العاصمة لم يسمعوهم، آخرون قرروا ان يذهبوا بانفسهم الى منزل احد الوزراء للاستفسار منه عن سبب “انقطاع الكهرباء” عن بيوتهم، وبدل ان يرحّب بهم كضيوف على الاقل لا كمواطنين ربما أخطأوا في “العنوان” اتصل على الفور بأحد المراكز الامنية القريبة، شاكيا ومطالبا “بالقاء القبض عليهم” بتهمة “الازعاج”، وهذا ما حصل فعلا، اذْ القى رجال الامن القبض على المواطنين الاربعة وحققوا معهم ثم أخلوا سبيلهم مع تنبيههم الى ضرورة مراعاة عدم تكرار “الكريمة” مرة اخرى.
يفترض -بالطبع- ان يفهم أي مسؤول يعمل في الحقل العام انه جاء لخدمة “الناس”، وان وقته يجب ان يسخر لهذه المهمة، وانه دائما معرض للنقد والسؤال، صحيح ان “الحفاظ” على خصوصيته مضمون بموجب القوانين، وصحيح انه مثل غيره يحتاج الى الراحة لكن الصحيح ايضا ان حضوره في أوقات “الازمات” وحرصه على تقديم كل طاقاته وامكانياته لخدمة المواطنين، وحرصه على بقاء “مكتبه” مفتوحا على الدوام مسألة لا تحتاج الى نقاش .. والاهم من ذلك انه كمسؤول يقدم “النموذج” في الالتزام والتضحية والتفاني والاتقان في العمل.. ولذلك لا ينتظر منه ان يضيق ذرعا بمطالبات الناس المشروعة، ولا حتى “بزياراتهم” في وقت راحته.
بعض المسؤولين يعتقدون ان وجودهم في “المنصب” مجرد “وظيفة” وان أوقات دوامهم تنتهي في ساعة محددة، وان مكاتبهم وبيوتهم “محصنة” من دخول المواطنين، وان وظيفتهم فقط هي توقيع “الكتب” وإصدار الاوامر واستقبال اصحاب “الحظوة” مع الحفاظ دائما على ان كل قرار يجب ان يتوشح بتوقيعهم، وعلى ان كل “عمل” يجب ان يحظى بموافقتهم.. وهم بذلك لا يقومون بما عليهم من واجبات ولا يسمحون لمن هم دونهم وظيفيا ان ينوبوا عنهم.
تصور ان وزيرا في احدى الحكومات الغربية منع احد المواطنين من مراجعته او شكا عليه بتهمة “اقلاق راحته”، فماذا يمكن ان يحدث؟ بالمناسبة قبل نحو عامين صادف رئيس الوزراء البريطاني السابق “براون” احدى النساء “اسمها جيليان وعمرها 65 عاما” فطرحت عليه سؤالا حول المهاجرين الذين يأخذون فرص العمل من البريطانيين، فأجابها بلباقة ثم انصرف وفي الطريق علّق مع احد اعوانه قائلا بان هذه المرأة “متعصبة” لكنه نسي ان “الميكرفون” المبثت على قميصه ما زال موجودا فوصلت العبارة الى وسائل الاعلام التي خرجت بعناوين مثيرة، مما دفع الرجل الى اصدار بيان اعتذار للعجوز، لكنها رفضته ثم تقدم لها باعتذار اخر عبر وسائل الاعلام فرفضته ايضا، وخضع في احد البرامج لاستجواب حول ما فعلته العجوز فاعترف بانه نادم على ما فعلته.. لكن المرأة لم تقبل الاعتذار مما اضطره الى زيارتها في منزلها والاعتذار اليها امام وسائل الاعلام.. فقبلته اخيرا، لكنها رفضت حين طلب منها ان تسامحه امام وسائل الاعلام مكتفية بقبول اعتذاره فقط.
“براون” قال بأنه “لم يفهم ما قصدته المرأة من سؤالها”، لكن خصومه خرجوا في اليوم التالي رافعين شعار “رجل لا يفهم الشعب يجب ان لا يمثله”، وهذا ما حدث، إذ خسر براون الانتخابات ومن المفارقات ان العجوز التي أثارت الرأي العام حوله كانت من حزب العمال الذي كان هو مرشحه في الانتخابات.
ارجو من القارىء العزيز ان لا يسألني لماذا يحدث هذا في بلاد “غيرنا” ولا نراه في بلادنا، ولا لماذا احتشد “الرأي العام” هناك انتصاراً لكرامة “عجوز”، ولماذا تجرأوا على “براون” بهذا الشكل، ولماذا يشعر المسؤول هناك بأنه اخطأ فيعتذر ويعتذر ويعلن ندمه وتوبته عن ارتكاب مثل هذا الأمر مرة ثانية.
لن أصدق أحداً اذا قال لي بأنه لا يعرف الجواب. ( الدستور )