التدخل الفرنسي الاستعماري في مالي

يحاول الرئيس الفرنسي الجديد (هولاند) إعادة المجد الاستعماري القبيح للامبراطورية الفرنسية في إفريقيا، من خلال دس أنفها في مشكلة داخلية في دولة مالي الإفريقية، وتعجلت فرنسا في شنّ حربها القذرة قبل نجاح محاولات الحلّ السياسي التي تجرى بجهود بعض الأطراف المخلصة، حيث تمّ إجهاضها عن طريق الضغط الفرنسي على رئيس مالي من أجل عدم الاستجابة للمفاوضات، وتلكؤه في إرسال الوفد الحكومي.
فرنسا مدعومة بتأييد أوروبي وأمريكي تحت ذريعة محاربة المتشددين الإسلاميين الذين تزداد قوتهم في شمال مالي، وهي ذريعة ساقطة وفجّة، وتمثل استهتاراً مريعاً بحرية الشعوب واستقلاليتها، وتمثل إصراراً قبيحاً على مواصلة الروح الاستعمارية التي يتشبع بها قادة فرنسا الذين لم يتحرروا من العقدة "الصليبية" وعقدة التفوق والشعور بالوصاية على الشعوب المستضعفة.
الأمر الأشد بشاعة أنّ "هولاند" يريد تمويل هذه الحرب الاستعمارية بأموال عربية، من خلال جولته على بعض الدول الخليجية، التي تمارس بعثرة المال العربي في حروب ليس للعرب ولا للمسلمين فيها ناقة ولا جمل.
يقول المتحدث الرسمي باسم حركة "أنصار الدين" الإسلامية في شمال مالي: "إنّ فرنسا خططت للحرب على شمال مالي منذ عدة سنوات من أجل الحفاظ على مصالحها الاستعمارية في القارة الإفريقية، والحرب الفرنسية تمثل مشروعاً فرنسياً استعمارياً يريد إعادة مكانة فرنسا في المنطقة كما كانت خلال ستينيات القرن الماضي"، وأعرب عن استغرابه من توقيت الحرب "في الوقت الذي شرعنا فيه في الحوار وعبرنا عن نيتنا ورغبتنا في الحلّ السلمي للأزمة، ولا ندري ماذا تغيّر، ولا ندري مع من نتحاور!!".
إلى متى سوف يبقى العالم الإسلامي والعربي والإفريقي بلاداً مستباحة ومسرحاً مشاعاً للتدخل الأجنبي، والوصاية الاستعمارية البغيضة، وإلى متى سوف يبقى زعماء هذه الشعوب المنكوبة عبارة عن دمى ولعب بأيدي القوى المستكبرة، وإلى متى سوف يبقى المال العربي أداة لنخر الشعوب العربية ويُسهم في الاستمرار بتمزيق بلاد المسلمين والاستمرار في سفك دمائهم، بدلاً من تسخيرها في التنمية والتحرير وإعادة بناء الذات، بعيداً عن التبعية والارتهان للقوى الخارجية.
يجب أن تدرك الشعوب العربية والإسلامية، ومعها كلّ الشعوب المستضعفة هذه الحقائق بوضوح، و تصل إلى مرحلة الوعي التي تمكنها من فهم ما يجرى برؤية واقعية بعيدة عن لغة التهويش والتضليل و يتمّ تقدير الأمور بقدرها الدقيق، وأن الدول الغربية تحارب كل محاولات الشعوب للتحرر والاستقلال، عن طريق الاستعانة بالزعماء المستبدين والطغم الفاسدة الذين تسلّلوا للحكم والسلطة بعيداً عن الإرادة الشعبية وشرعية الانتخاب.
والسمة الأشدّ وضوحاً، أنّ الشعوب المستضعفة تخوض معركة مزدوجة ضد الاستبداد والفساد الداخلي من جهة، وضد التدخل الخارجي من جهة أخرى والمال الخليجي والعربي يستخدم ضد أماني الشعوب العربية، وليس كما يحاول بعضهم التضليل بهذه القضية على وجه التحديد، وهذه المعركة مفروضة لا محالة، ولا بدّ للشعوب من تحقيق النصر في هذه المعركة الشرسة، مهما كانت التضحيات، ومهما طال الوقت، ومهما كانت العوائق. ( العرب اليوم )