هدوء ما قبل الانتخابات: تقدير موقف!

منذ نحو شهرين، سادت في المجتمع الاردني حالة من “الهدوء” الحذر؛ فعلى جبهة الحراكات تراجعت اعداد المسيرات وانخفض سقف الشعارات وآثر كثير من “الناشطين” الانسحاب من المشهد تاركين لمن انحازوا الى الانتخابات فرصتهم في الحركة والانتشار، اما على الجبهة الرسمية فقد استأثرت “الانتخابات” بنصيب الاسد من الانشغال، وخلا الخطاب الرسمي من اي “تصعيد”، وقدمت بعض العروض السياسية “لجذب” المقترعين، واذابة جليد “الثقة” بين الناس والدولة في ما يتعلق بملف “الفساد” او بمواجهة “المال الحرام” في الانتخابات.
الهدوء على الجبهتين يبدو مفهوما في ضوء ما جرى في تجربتنا على امتداد العامين المنصرمين، فالتصعيد في الشارع غالبا ما كان يتزامن مع تصعيد في المقررات والاجراءات الرسمية، وردود فعل القوى “السياسية” غالبا ما تأتي على ايقاع حركة “المجاذبة” مع الحراكات الشعبية، لكن السؤال: هل تبدو حالة الهدوء هذه “دائمة” واصيلة وتعبر بالتالي عن “انفراج” او انفتاح ام انها حالة “مؤقتة” وعابرة وتعبر بالتالي عن نوع من “الترقب” الحذر او “المهلة” المقصودة انتظارا لما ستفضي اليه العملية “الانتخابية” من مخرجات ونتائج.
للاجابة عن هذا السؤال يفترض ان ندقق في ثلاث مسائل: احداها تتعلق بجوهر الموقف الشعبي من عملية الاصلاح، وفيما اذا كانت الحراكات الشعبية قادرة على حمل “مطالبها” واقناع حواضنها الاجتماعية بها وصولا للضغط باتجاه تحقيقها، ولدينا هنا كلام طويل عن تجربة هذه الحراكات وعن ما انجزته وما تفكر به وما يشكل عوائق امامها، واعتقد انه من المبكر الحكم على هذه التجربة الان والتنبؤ باتجاهاتها في المستقبل رغم ان ثمة اشارات تؤكد ان لديها الرغبة في الاستمرار كما ان لديها من عناصر القوة ما يجعلها “لاعبا” اساسيا في المرحلة القادمة، اما المسألة الاخرى فتتعلق بـ”القوى السياسية”، وابرزها جماعة الاخوان التي يبدو انها اختارت حتى الان “الشارع” وحددت اتجاهاتها نحو “الشراكة” في صناعة القرار، واعتقد انها ستظل المحرك الاساسي للتصعيد، لكن يبقى ان الوصول الى تفاهمات معها ليس صعبا، لكنه سيظل مرتبطا بقدرة الدولة على امتصاص مطالب الشارع وحراكاته.
اما القوى السياسية الاخرى، خاصة التي شاركت في الانتخابات، فان حضورها في البرلمان سيحدد مواقفها في المرحلة القادمة، كما انه سيحدد طبيعة علاقتها مع الحراكات في الشارع ومع مشروع الاصلاح بشكل عام.
المسألة الثالثة تتعلق بالطرف الرسمي، وهنا تشكل الانتخابات الفرصة الذهبية لاستعادة حالة الهدوء وتعميقها داخل المجتمع، فمع وجود مجلس نيابي يحظى بالحد المناسب من الشرعية يمكن لاي حكومة “برلمانية” قادمة ان تتفاهم مع الشارع وان تمرر بعض القرارات الصعبة، لكن بعكس ذلك سنعود الى لعبة “الشد” التي سادت في العامين المنصرمين.
باختصار، الصراع على الاصلاح لن يتوقف في اليوم الذي يلي موعد الانتخابات، وحالة الهدوء التي استمرت نحو شهرين لن تستمر الاّ اذا جرت اختراقات حقيقية لمواجهة “الازمة” من ثلاثة ابعاد: اولها بعد ملفات الفساد والجدية في فتحها قضائيا، والبعد الثاني اقتصادي يتعلق بملف “الاسعار” والغلاء والوظائف والبطالة.. الخ.
اما البعد الثالث فيرتبط بالقدرة على استبدال “الشارع” كميدان للنقاش العام “بطاولة” وطنية للحوار والتفاهم وهذا تحديدا يرتبط “بنتائج” الانتخابات وافرازاتها، وبتقييم الدولة تبعا لذلك “للخيارات” الممكنة عند التعامل مع المرحلة الجديدة.
القضية هنا لا تتعلق بمن انتصر على من؟ فامتداد حالة الهدوء وصولا الى الانفراج السياسي العام هو في مصلحة الجميع، اما العودة الى الوراء حيث لعبة “الشد” المتبادل وصناعة الازمات وشراء الوقت والرهان على “المستجدات” واعتماد منطق “العناد” والانكار، فهي اسوأ وصفة يمكن ان نفكر بها في المرحلة القادمة.
( الدستور )