إدارة الانقسام أفضل من انفلاته

بعد الإفصاح عن الجدولة الزمنية لخطوات المصالحة الفلسطينية، بدأت التقديرات حول فرص إنهاء الانقسام الفلسطيني، تأخذ منحى تفاؤلياً متصاعداً، وإن كانت نبرة الحذر والتحفظ ما زالت تطل برأسها بين سطور المحلل والمراقبين، بالاستناد إلى إرثٍ طويلٍ من الخيبات وتجارب الفشل في ربع الساعة الأخير.
يحدثك كثيرون، ومعهم فيما يقولون الحق كله، بأن ما تم التوافق عليه في القاهرة، ليس مصالحة حقيقية، بل «إدارة للانقسام»، ذلك أن الخلافات الأعمق، ما زالت محتدمة بين الفصيلين الرئيسين حول البرنامج السياسي وأشكال المقاومة ومنظمة التحرير، كما أن جدران الثقة بينهما ما زالت خفيضة، وبالإمكان القفز من فوقها إلى ساحات الاصطراع والتحارب.
كل هذا صحيح، ونضيف إليه، أن الفصيل الواحد، يشهد اصطراعا داخلياً يدور في أحد محاوره حول المصالحة، فهناك من يؤيدها ويستعجلها، وهناك من يتحفظ عليها ويخشى منها على منظومة مصالحه وأدواره ومواقعه ونفوذه، ما يُبقي المصالحة وحتى إشعار آخر، عرضة للتقدم والتراجع، «الاختراق» و»الانتكاس».
لكن مع كل ذلك، ما زلنا نرى أن «انقساماً» يتفق طرفاه على «إدارته»، خير من انقسام خارج عن السيطرة والتحكم..ولقد قلنا في هذه الزاوية بالذات، أن «سيناريو كردستان العراق» الذي هو في واقع الحال، شكل من أشكال «الإدارة المتقدمة» للانقسام بين المكونين الكرديين الرئيسين، أفضل بكثير من «سيناريو الباكستان وبنغلادش»، حيث أفضى صراع» الأخوة الأعداء» إلى انفصال باكستان الشرقية عن الغربية، بعد حرب ضروس، أكلت الأخضر واليابس.
ونعتقد جازمين، رغم التصريحات التي تصدر عن أصحاب الرؤوس الحامية، أن للمصالحة فرصة سانحة هذه المرة. فهي تتم لأول مرة منذ سنوات، بين أنداد ومتكافئين، وليس بين منتصر ومهزوم، وبمقدور كل فريق الآن، إن يستند الآن، إلى أوراق قوية، يضعها فوق منضدة الحوار الوطني: فتح بعد فوزها في نيويورك ونشوتها بمهرجان غزة، وحماس بعد بعد نصر غزة، ومناخات الربيع العربي وما صاحبها من صعود إخواني في عدد من الدول العربية.
في العمق، نعرف أن مأزق فتح الرئيس يكمن باصطدام مشروعها السياسي بعقبة نتنياهو الكؤود، وقيادة فتح تدرك أكثر من غيرها، أن طريق المفاوضات بات مسدوداً..مسدودا..وأن كل ما يصدر عنها وتشيعه من تصريحات ومواقف، إنما يندرج في سياق «تأجيل الاستحقاق الأهم والأخطر: الانتقال إلى خطة ب»، وتفادي تحمل القيادة الفلسطينية مسؤولية فشل خيار، يعمل نتنياهو ليل نهار على الإطاحة به وتدميره، وأعني به خيار التفاوض وحل الدولتين.
في المقابل، يبدو أن مرور عامين على اندلاع ثورات الربيع العربي، وبعد أقل من عام على وصول الإسلاميين للسلطة في عدد من الدول العربية، كانا كافيين لإنزال حركة حماس (بعضها على الأقل) عن قمة الشجرة التي صعدت إليها..فحماس باتت تدرك اليوم، أكثر من أي وقت مضى، بأنه يتعين عليها «التواضع» في تقدير حجم توقعاتها من دول الربيع العربي، وهي فوق هذا وذاك، باتت تدرك أتم الإدراك، حاجتها لتهدئة طويلة الأمد، لترتيب بيتها الداخلي من جهة والخروج بالقطاع من مأزق عزلته وحصاره، بل وخروجها هي بالذات، من مأزق غزة (بدلالة مهرجان فتح) من جهة ثانية..وكل وهذا وذاك وتلك، لا يمكن تحقيقه من دون مظلة سياسية، توفرها لها المصالحة، ولا شيء غيرها.
أضف إلى ذلك أن «الوسيط المصري» بات يجد مصلحته في «المصالحة»، بخلاف ما كان عليه الحال، زمن الأشهر الأولى لولاية د. محمد مرسي،ومن قبله، سنوت حكم مبارك الخمس الأخيرة..فالمصالحة هي طريق حفظ التهدئة، ومن دونها، سيبدو «الإنجاز الوحيد» لمرسي والإخوان في حقل السياسة الخارجية، وقد ذهب هباءً.
نحن متفائلون بمصائر هذه المحاولة من محاولات استعادة المصالحة واستئناف العمل الوطني الفلسطيني المشترك، لكنه تفاؤل يظل محفوفاً بالحذر والتحفظ، طالما أن المتربصين بالمصالحة كثر، على الساحة الفلسطينية وفي إسرائيل بالذات، من دون أن نغفل عن أدوارٍ عربية وإقليمية، بالغة الضرر والتأثير والتي لطالما لعبت أدواراً مؤذية في عرقلة المصالحة وإحباط مساعي الوسطاء وسعاة الخير.
( الدستور )