مع نتنياهو في حكومة جديدة

رغم التراجع الملحوظ في حظوظ ائتلافه من مقاعد الكنيست، إلا أن أحدا لم يشكك في أن نتنياهو سيبقى زعيم الكيان الصهيوني لأربع سنوات أخرى إذا لم يحدث تطور لاحق يؤدي إلى انتخابات مبكرة.
في انتخابات الأمس لا جديد يذكر في الساحة الإسرائيلية، اللهم سوى التراجع الذي أصاب الملف السياسي (الصراع مع الفلسطينيين) في سياق الحملة الانتخابية في ظل وجود ملفات أخرى أكثر إلحاحا في عقل الناخب الإسرائيلي، وفي مقدمتها بطبيعة الحال الملف الاقتصادي.
لم يحدث من قبل أن تراجع ملف الصراع على هذا النحو في انتخابات الكنيست، والسبب بطبيعة الحال يتمثل في حالة الأمن التي يعيشها الكيان الصهيوني على نحو لم يسبق له مثيل؛ ربما منذ عقود، والسبب كما يعلم الجميع يتمثل في حصولهم على قيادة تدمن التنسيق الأمني، وتحرص على التنمية والاستثمار وتكره المقاومة المسلحة، بل وحتى السلمية إذا كانت ستؤدي إلى اشتباك ما، مع الطرف الصهيوني.
وفيما شكل قطاع غزة بعض الإزعاج للكيان خلال السنوات الماضية، إلا أن من الصعب القول إن إزعاج كبير بعد أن استقر الحال على قبول تهدئة متوازنة من طرف حماس بسبب الوضع الخاص للقطاع، وفي ظل إجماع إسرائيلي على عدم الحاجة للعودة إلى صيغة الاحتلال القديمة.
سيقول البعض بالطبع إن الانقسام هو الذي عزز حالة الارتياح لدى الكيان الصهيوني، وجعله يتجاوز باقتدار لافت تبعات الأزمة الاقتصادية العالمية، الأمر الذي لا يبدو مقنعا، لأن القيادة الفلسطينية لم تكن في وارد تغيير برنامجها، وهي حين أصرت على دمج حماس في اللعبة السياسية عام 2006، إنما كانت تسعى إلى تأمين سكوتها على برنامج المفاوضات بصرف النظر عن نتائجها على الأرض، ما دامت هناك سلطة تشبه دولة ويزورها الناس ويلتقي بهم الرئيس، دون عناء كبير سوى بعض التنسيق مع الطرف الإسرائيلي الذي ينبغي أن يمنح الإذن لكل من يدخل ويخرج، بما في ذلك حملة بطاقات الفي آي بي، وفي مقدمتهم الرئيس نفسه.
اليوم يدخل الإسرائيليون الانتخابات، وهم أقل انقساما قياسا بالمراحل السابقة، فالمزايدة لا تعدو أن تكون على قصص الضرائب والإنفاق، مع قدر من المزايدة في المسألة السياسية حيال الفلسطينيين، في ظل صعود قوى اليمين التي تعلن رفضها مبدأ الدولة الفلسطينية (البيت اليهودي مثالا)، لكن الجميع يعلم أن مصطلح الدولة الفلسطينية مصطلح عائم، ولن يلبث رافضوه أن يوافقوا عليه كما فعل نتنياهو من قبل، مع بقاء سؤال جوهري حول ماهية تلك الدولة وتفاصيلها. وقد قال نتنياهو ذات مرة قبل سنوات طويلة؛ لتكن الدولة بالمواصفات التي نريدها وليسموها بعد ذلك إمبراطورية.
نتنياهو شارك في الزفة اليمينية من أجل كسب أصوات المتشددين بعدما تحالفه مع أسوأ رموزهم (ليبرمان. زعيم إسرائيل بيتنا)، إذ عزز من الاستيطان في الضفة والقدس الشرقية بشكل لافت، فيما أعلن على الملأ أن “مستوطنة أرئيل ستبقى جزءا لا يتجزأ من إسرائيل كما هي حال القدس عاصمتها الموحدة إلى الأبد”.
والحال أن من العبث الاهتمام (فلسطينيا) بالانتخابات الإسرائيلية كما لو أن شيئا سيتغير في الواقع بعدها، فيما يعلم الجميع أنه حتى لو فازت تسيبي ليفني (حزب كاديما) بالغالبية، فإن النتيجة لن تتغير كثيرا، إذ كانت حكومة الحزب بزعامة أولمرت قبل سنوات هي الأكثر سعارا على صعيد الاستيطان، بينما رفضت تنازلات خيالية من السلطة كما عكست ذلك وثائق التفاوض لصاحبها صائب عريقات الذي حظي بمديح استثنائي من قبل الرئيس في مقابلة قبل يومين، حيث وصفه بـ”ذاكرة المفاوضات”، مضيفا أن إسرائيل قد ضغطت “للتخلص” منه لأنه “صار يعرف أكثر مما يجب”!!
لو شكلنا أية حكومة في إسرائيل، مهما كانت طاعنة في اليسار، فلن يحصل الفلسطينيون على دولة بالمواصفات التي يفتخر البعض بأنهم يتمسكون بها، إذ حتى “ميريتس”، بقية يسار اليسار، يرفض عودة اللاجئين إلى الأراضي المحتلة عام 48، و”يتكرم” بقبول عودتهم إلى مناطق السلطة/الدولة، فيما يقترح حلا لمعضلة القدس الشرقية يصعب ابتلاعه، لأنه يريد اقتسام ما يعرف بـ”الحوض المقدس”، والسبب أن الهيكل بالنسبة لليهود هو مثل الكعبة بالنسبة للمسلمين كما قال يوسي بيلين عشية مفاوضات كامب ديفيد عام 2000.
الإجماع الأهم في الكيان الصهيوني هو بقاء هذه السلطة على ما هي عليه، مع تمددها لتشمل كل مناطق الكثافة السكانية، وبالطبع كي تزيح عبء إدارة الشعب الفلسطيني عن كاهل الاحتلال، ولتستمر المفاوضات إلى يوم الدين، فهنا ثمة دولة فلسطينية حتى لو كانت على 10 في المئة من أرض فلسطين، والسيادة مسألة نسبية، ما دامت هناك دولة اعترف بها العالم وحصلت على عضوية (غير كاملة)، ربما تغدو كاملة بعد حين، مع التأكيد على استمرار بحث نزاعها مع جارتها في الأروقة الدولية!!
وحدها انتفاضة شاملة في الأرض الفلسطينية هي ما سيغير أجندة الكيان الصهيوني وأجندة الفلسطينيين في آن، وهي انتفاضة يعمل نتنياهو والعالم أجمع بمشاركة قيادة السلطة على منع اندلاعها بكل وسيلة ممكنة. ( الدستور )