ماذا بعد...
هذا اليوم جزء من مرحلة جديدة قادمة مختلفة عن الأمس اختلافاً واسعاً وجذرياَ، ونحن جميعاً أمام استحقاق مفروض ينبغي التعامل معه والتفاعل مع مقتضياته بواقعية ومسؤولية، بغض النظر عما سبق من اختلاف في الرؤى والمواقف السياسية، وبغض النظر عن الرضا أو عدم الرضا عما تم من إجراءات وإنجازات، فكل ذلك منذ هذه اللحظة أصبح جزءاً من التاريخ شئنا أم أبينا.
نحن الآن وجها لوجه مع مجلس نيابي جديد، وحكومة جديدة وبرامج وتطلعات وأجندات يفترض أن تكون جديدة أيضاً، وهذا يقتضي وقفة مراجعة فورية من كل الأطراف السياسية ذات الأثر الملموس والوزن المحسوس في المشهد المحلي.
ما ينبغي الاعتراف به أن كل طرف له رأي وملاحظاته على الطرف الآخر، وكل طرف له قناعاته ومبرراته التي يرى أنها وازنة ومقنعة وتستحق النظر والتوقف والحوار والمناقشة والاعتبار لكن ما ينبغي في الجهة المقابلة أن يعترف كل طرف بوجود الطرف الآخر وأن يعترف بحقه بالاختلاف وحقه بالحضور وحقه بالمشاركة في خدمة دولته ووطنه، مما يتوجب علينا الخضوع لمنطق البحث عن آفاق التعاون والمشاركة في تقرير مصيرنا المشترك بطريقة تعاونية تشاركية جمعيّة إبداعية قادرة على توحيد الشعب الأردني بكل قواه ومكوناته السياسية والاجتماعية.
ما نحن بحاجة ماسة إليه في هذا الظرف الارتفاع في مستوى المسؤولية والقدرة على التمتع بالروح الوطنية الغالبة القادرة على تذليل العقبات أمام التقدم الفعلي نحو الإصلاح الحقيقي، وهذا يحتاج إلى بذل جهود كبيرة واستثنائية في ردم الفجوة المتسعة بين الأطراف، والبدء بمشوار بناء الثقة التي اهتزت اهتزازاً عنيفاً، وضعفت تدريجياً إلى حد التلاشي المفضي إلى العدم، مما ألحق ضرراً ملموساً بمشروع الإصلاح الوطني، وألحق ضرراً بالمجتمع والدولة ومستقبل الأجيال.
في هذا اليوم وفي هذه اللحظة وفي هذا الوقت، ينبغي النظر إلى الدافع السياسي الذي آلت إليه الأمور من دون إنفاق مزيد من الوقت في العتاب ورمي التهم وتقاذف المسؤولية، ما نحن بصدده أننا أمام حقيقة مرّة، يتحمل الجميع قسطه من المسؤولية، ولا يستطيع أحد التخلص منها، وإن كان هناك تفاوت بالحجم والمقدار والنسبة، لكن يجب اللجوء إلى منطق التنازل وعدم التشبث بالمواقف المتصلبة من كل الأطراف، لأن ذلك يؤدي إلى مزيد من الضرر ومزيد من ضياع الوقت.
نحن في الأردن نعيش ظرفاً خاصاً، ليس بالضرورة أن يكون نسخة مشابهة لما تم في دول الإقليم، وإن كان هناك قدر كبير من الثقافة المشتركة، وقدر كبير من الظروف المتشابهة، لكن ما نود توضيحه بجلاء أننا نريد تحقيق إصلاح حقيقي ونريد الانتقال التدريجي نحو الأردن الدولة الديمقراطية الحديثة التي تتسع لكل مواطنيها، وتعيش الحرية والكرامة والرفاه، يكون الشعب الأردني صاحب السيادة العليا على أرضه ومقدراته قادر على اختيار الحكومة وقادر على مراقبتها ومحاسبتها واستبدالها وكل ذلك نريده بطريقة سلمية حضارية، بعيداً عن العنف وبعيداً عن جر الأردن نحو الفوضى والانقلاب الأمني.
هذا يقتضي الاعتراف بالمرحلة الجديدة، التي تحتاج وجوها جديدة، وتشريعات جديدة، وسياسات جديدة، وتحالفات جديدة قادرة على صناعة النهوض السياسي والاقتصادي، وقادرة على تشغيل الطاقات والكفاءات الوطنية، وقادرة على استثمار الموارد وحفظ المقدرات، وقادرة على اجتثاث الفساد وإبعاد الفاسدين عن سدة القرار ومواقع المسؤولية.
الحل إذا بالاستماع إلى صوت العقل، والاستماع إلى صوت الوحدة والتعاون والمشاركة، والابتعاد عن الأصوات الناشزة التي تنعق بالخراب والفرقة والإبعاد والإقصاء وشرخ المجتمع بأدوات التعصب وضيق الأفق، والتخندق المسبق على المواقف الجامدة . ( العرب اليوم )