سامي الزبيدي : قصة لم تكتمل
"اذكروا محاسن موتاكم"، تلك نصيحة نبوية جميلة، لكني متيقن أن سامي سوف لا يعبأ كثيراً بالالتزام بها. إن قصته تعد نموذجاً لقصص شبيهة تشكل ملمحاً اجتماعياً/ سياسياً في البلد.
خرج سامي من قريته البدوية البعيدة نحو الجامعة ليلتحق بالعمل السياسي "السري"، كان ذلك في النصف الثاني من عقد الثمانينيات، وهو العقد الذي انتهى بمداهمة انفتاحية "ديمقراطية" مفاجئة غيّرت مسارات حياة الكثيرين.
كنا نسمي الانتماء الى الأحزاب السرية عملاً سياسياً، ولكن تبين لنا بعد ذلك أن هناك صنفاً آخر مختلفاً من العمل السياسي. في الصنف الأول، يجتمع الحزبيون على فكرة ومجموعة من القيم، أما في العمل السياسي "الجديد" فإن الأمر متعلق بالقوى والمصالح والنفوذ. وفيما بعد عرفنا أن هناك تمييزاً منهجياً "علمياً" بين الصنفين.
مثل كثيرين غيره، لم يعرف سامي ماذا يفعل بهذه "الديمقراطية"، لكنه شاب موهوب فعلاً ونشيط، (وهو بالمناسبة صاحب مقالة رشيقة ذكية رغم تنوع وتناقض زاوية نظرها بين زمن وآخر)، فاختار في التسعينيات لحياته نمطاً سماه أصحابه "فوضوية"، لكنه بالنسبة لسامي لم يصمد كثيراً وظل أقرب الى ما نسميه "العفرتة"، لأنه لم يكن نتاجاً طبيعياً للبيئة الفلاحية البدوية التي تربى فيها.
انتقل سامي الى موقف آخر حاول فيه العودة الى العمل السياسي، ولكن هذه المرة الى الصنف الجديد منه، فدخل الى أوساط "التأثير والضغوط والتحالف والانفضاض" وغيرها من متطلبات هذا المستوى من "السياسة"، ومؤخراً خاض الانتخابات ضمن قائمة ضمت شركاء لسامي في المسيرة والانتقال بين صنفي العمل السياسي، وفي آخر اتصال معه قبل أسبوع كان غاضباً ومحبطاً ليس بسبب الحملة أو التوقعات، بل بسبب حادثة إحراق خيمة القائمة التي ينتمي إليها، وقد أظهر شكوكاً بإجراءات الملاحقة للفاعلين.
كانت علاقتي مع سامي "طريفة"، وقد مارس هو فيها صنفاً من الوضوح والصدق لا يتكرر كثيراً، فعندما كنا نلتقي أو نتواصل، كان يتحدث كما لو كنا في اجتماع حزبي، وكنت أحب حياءه وهو يفسر بعض مواقفه، كما كنت أحب ابتسامته المجاملة لي حين يكتشف أنني "غشيم" في أمور إدارة البلد، وعموماً لقد احترمت حرصه على ألا يغطي مواقفه بغطاء ليس لها.
منذ زمن لم أصدم، على الصعيد الشخصي، بخبر كخبر موت سامي، لكنها الحقيقة المطلقة والبسيطة كانت بالمرصاد. رحم الله سامي والعزاء لأهله وخاصة أشقائه . ( العرب اليوم )