تَصْنيع الأشْباه!!

في غياب السياقات العضوية للتطور، تزدهر صناعة الأشباه أو النسخ طبق الأصل من حيث الشكل فقط، عندئذ يتطلب الأمر قدرة فائقة على الفرز، وعزل الزؤان عن القمح، والسّراب عن الماء وظل العصا عن الثعبان.
وفي أيامنا هذه التي تشهد خلطاً غير مسبوق للمفاهيم والأوراق، لم يعد من السهل التعرف على الأصول من الأشباه، لأن التكنولوجيا بأقصى منجزاتها وضعت في خدمة هذه الصناعة، وقد يكون الشبيه أحياناً أكثر ادعاء للأصل تماماً كما أن العسل المغشوش يتفوق على الشهد في حلاوته والعصير الكاذب ينافس السُّلاف على لونه ونكهته الملفقة في المختبرات بعيداً عن الحقول.
شبه المثقف لديه من الأدوات والمظهر واتقان الدور من خلال القرائن ما يكفي لأن يستمر في دوره ساعات أو أياماً أو حتى أعواماً. تماماً كالقصدير المطليّ الذي يجب أن يكون في منأى عن عوامل الطبيعة والتعرية التي تفتضحه، إذ تكفي قطرة عرق لأن تكشط عنه الطلاء، بعكس المعادن الأصلية التي تتجوهر في التقادم وتزداد قيمتها. وفي عصرنا كان لكل أصيل شبيه أو دوبلير كما يسمى في السينما، فهذا الشبيه رأسماله الوحيد هو ملامحه ورشاقته في المحاكاة كالقردة، لكنه لا يطمح على الاطلاق بأن يلعب دور البطل، لأن دوره ككمبارس ينتهي فور ظهور البطل.
الثورات عرفت مثل هذا الدوبلير وكذلك الحراك الاجتماعي في كل مجالاته، والى أن يتضح بأن الضفائر الناعمة هي مجرد باروكة على الرأس الأملس تكون الخدعة قد مرّت، لكنها لا تدوم، وهناك شركات كبرى متضررة من التقليد والأشباه، تسعى الى شراء كل ما يمكن شراؤه من هذه النسخ لكي تسحقها في ميدان أمام جمع غفير من الناس، لكن هذا التطهير في مجال الصناعة ليس متاحاً في الثقافة والسياسة، لأنه من الصعب ضبط البعض من الأشباه متلبسين في محاكاة الأصول، لأنهم سرعان ما يعودون الى قواعدهم وكأن شيئاً لم يكن.
وعدد السّلع المقلدة الآن في أسواق العالم أضعاف مضاعفة لعدد السلع الأصلية، بحيث لم يعد ممكناً فضّ هذا الاشتباك بين الصوت والصدى وبين النور وانعكاساته على الصفيح أو السطوح الصقيلة.
فيما مضى، كان هناك خجل من التقمص والتقليد الذي يصل حدّ التقريد، لكن غياب الروادع والكوابح الذاتية جعل كل شيء متاحاً ومباحاً.
وما من ضمانة باقية الا الرادع الشخصي والضمير واحترام الذات، ومثل هذه الضمانات أندر من أن يراهن عليها.
لهذا علينا أن ندفع ثمن ما نخدع به من أشباه! ( الدستور )