الحوار الناقص!!

عندما توصف الثورة في بلد ما سواء كان مصر أو غيرها، فان دلالة ذلك ان النقصان يشمل مجالات عديدة وحيوية في مقدمتها الحوار الوطني، والحوار الذي طالب به الرئيس المصري قبل يومين لوضع حد للأزمات المتفاقمة والمتعاقبة وغير المرشحة للانفراج، كان ايضا حواراً ناقصاً رغم ان هناك اكثر من خمسة عشر حزباً شاركت فيه، لكن من غابوا عنه هم من يطلق عليهم جبهة الانقاذ الوطني، وهم ليسوا أرقاماً سهلة في المعادلة السياسية، لأن منهم من كان مرشحاً للرئاسة ومنافساً للدكتور مرسي، ونال اكثر من خمسة ملايين صوت، ومنهم شخصيات وطنية فاعلة وذات حضور ساطع في الشارع، لهذا لم يكن غيابهم مجرد غياب عابر لكومبارس سياسي أو احزاب لا تختلف كثيراً عن الاندية الرياضية، وبسبب هذا الغياب ستشهد مصر يوم الجمعة القادم حراكاً يصعب على اكثر المراقبين حصافة ان يحزر عواقبه، فمصر الآن تعج بالاسلحة المهربة مقابل غياب الشرطة واجهزة الامن، مما يتطلب تدخل الجيش لينوب عن الشرطة في ضبط الشارع والحيلولة دون اشتباكات دموية، رغم ان هناك دعوات متكررة في مصر لعدم زج الجيش مرة اخرة في السياسة خصوصاً بعد تلك التجربة الانتقالية والاشكالية التي تولى فيها الحكم المجلس العسكري.
ورغم التعقيدات الكبيرة في المشهد المصري الآن الا انه ليس لغزاً أو احجية عصية على التفكيك، لأن قدراً من المرونة الرسمية قد يخفف من الاحتقان، والمشكلة في هذا الموقف المرن المطلوب ان هناك من يرون ان متوالية التنازلات من الرئاسة قد تفقدها هيبتها، رغم ان هناك من الدول من شهد تنازلات واعتذارات كما حدث مؤخراً في اسبانيا ولم تسقط هيبة الدولة.
ويبدو أن مفهوم الهيبة بحد ذاته يحتاج إلى إعادة نظر في مجمل ثقافتنا العربية خصوصاً بعد ان ثبت ميدانياً ان القوة وحدها لا تكفي لحماية الهيبة.
ان ما يحدث لمصر وفيها الآن يبدو استثنائياً بالنسبة لتاريخها، فالحرب الاهلية لم تقع خلال ألفيات تبدل فيها حكام بدءاً من الفراعنة والرومان والاقباط والعرب والمسلمون. وكانت الفترات الانتقالية تتم بشيء من السلاسة، لكن ما يحدث الآن لم يعد مجرد جملة معترضة في السياق التاريخي لمصر، أو مجرد عبارة خارج النص، فالحروب الاهلية تبدأ باردة وتتغذى من التخوين المتبادل والنزاعات على السلطة، وثمة اساليب عديدة للوقاية منها واستدراكها، ولا نظن ان الأوان قد فات على مثل هذا الاستدراك.
أما ضحايا هذا النزاع الذي اصبح مسلحاً وقابلاً للمزيد من التسلح‘ فهم ليسوا الناس فقط، ولا المكتبات والمتاحف والجامعات فقط، ان الاقتصاد المصري المسجى في غرفة الانعاش من ضحايا هذا النزاع والامراض المزمنة التي تفتك بملايين المصريين بدءاً من الفشل الكلوي والبلهارسيا ووباء الكبد ستجد موسماً غزيراً لمزيد من الفتك.
لم تعد الكرة الآن في ملعب فريق أو طرف واحد، انها تتدحرج بما تفرزه من لهب بين كل الاطراف، فما جدوى ان يربح طرف وتخسر مصر كلها؟ ( الدستور )