ثقافة الابتزاز

انها ليست طارئة، فهي من صلب ثقافة عامة ومقررة منذ زمن بعيد، ففي الخمسينيات وبعض الستينيات من القرن الماضي كان الابتزاز يمارس باسم الثورات والانقلابات العسكرية التي لم تنجح الا في جعل الناس يمشون على رؤوسهم بحيث تعلو عيونهم على حواجبهم، في تلك الايام شطرنا السكين الى تقدميين ورجعيين لكن وفق معيار شعاري لا علاقة له بالمضمون، اذ يكفي ان يرتدي الغنيّ اسمالا كالمتسول كي يخدع الناس بانه كادح مثلهم، وتلك حيلة لا علاقة لها بالاشتراكية او الثورات بل هي وافدة من تراث التهرب من الخراج وضرائب العثمنة، لهذا تحول ادعاء الفقر الى استراتيجية وقائية اضافة الى الموروث الفولكلوري عن الحسد، فالاخر سواء كان اخا او جارا او ابن عم هو عدو متربص ينبغي الاحتراز منه على قاعدة ظلم ذوي القربي الاشد مضاضة.
لم تفارقنا ثقافة الابتزاز لقرون مديدة لهذا كان ولا يزال التخوين اسهل من التدخين، وتصنيف الناس الى ثوري ورجعي اسهل من تصنيف الدجاج الى لاحم وبياض، وازدهرت هذه الثقافة في غياب الكوابح الاخلاقية وانتشار الامية على نحو وبائي.
فاختزال الانسان هو آفة من آفات التخلف ومن اسوأ افرازات المقهورين كما يقول عالم النفس مصطفى حجازي.
الان اوشك الابتزاز السياسي ان يبلغ الذروة، فالناس مصنفون الى ربيعي وخريفي، وثوري وسلطوي لكن ليس تبعا لشروط وعناصر قابلة لان يحتكم اليها، بل تبعا للجرائد التي نفضل قراءتها والفضائيات التي نشاهدها وما نثرثر به حول ما يسفح من دم وكأنه عصير رمان مغشوش.
كفانا ابتزازاً، وسطحية في التعامل مع ظواهر تاريخية بالغة التعقيد، كي لا نندم دائماً بعد فوات الأوان، فتاريخنا الحديث يليق ببراقش التي حذرتنا منها الأمثولة، لأنها لم تجن على نفسها فقط بل على أحفاد أحفادها.
بالأمس سمعت مفكراً عربياً يعيش في فرنسا يقول بأنه قام بتدجين أو بمعنى أدق بإخصاء آخر كتبه خشية من الابتزاز سواء باسم الدين أو الثورة أو أية ذريعة أخرى.
فنحن نخترع الذرائع اذا لم تتيسر لنا، وما قتلناه من بعضنا في ربع قرن فقط يعادل أضعافاً مضاعفة لما قتله اعداؤنا منا، لأن القاعدة الذهبية عن ظلم ذوي القربى أتاحت لذوي البُعدى أن يتوغلوا في لحمنا حتى النُّخاع.
ما نخشاه دائماً هو هؤلاء الغلاة الأبطال نهاراً واللصوص ليلاً، والذين مع الله صباحاً ومع القيصر ما تبقى من الوقت! ( الدستور )