عدم الرضا سيد الموقف

بعد الهيكلة، الرواتب ارتفعت، ومداخيل العاملين في القطاع العام تحسنت، رغم ذلك ما يزال عدم الرضا سيد الموقف.
السؤال المهم، لماذا لم تؤدِ الزيادة إلى توليد شعور بالرضا عن الوضع الجديد؟
الجواب: لأن الزيادة التي طرأت، لم تكن تكفي لسد الفجوة بين الدخل والنفقات، التي زادت خلال الأعوام الماضية، نتيجة ارتفاعات الأسعار المتتالية، وتبدل النمط الاستهلاكي.
وهذه النتيجة طبيعية طالما أن البعض أنفق مدخراته، حتى تراجعت قيمة الادخار لمستويات سالبة، حيث تشير الأرقام إلى أن قيمة الاستهلاك تفوق الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 14 %، حيث يقدر الناتج المحلي حاليا بحوالي 24 مليار دينار.
المعادلة السابقة تكشف أن كل ما يأتي من مداخيل غير كاف، بل صارت بعض الأسر تستنزف مدخراتها، حتى تستطيع الحفاظ على مستواها المعيشي.
بالتأكيد، ساعد الوضع العام السائد، وارتفاع سقف التوقعات في ظل الحراك المطالب بالإصلاح، ووجود قناعة راسخة لدى هذه الشرائح بأن الفساد لم يبقِ ولم يذر، بالتقليل من شأن الخطوة.
وربما أيضا، لأن موظفي القطاع العام شهدوا بأعينهم ثنائية التعامل وازدواجيته حتى بين موظفي القطاع العام أنفسهم، فهؤلاء ظلوا يتابعون لسنوات طويلة الامتيازات التي يحصل عليها موظفو المؤسسات المستقلة، ما يجعلهم لا يقدرون قيمة ما تم الحصول عليه بعد سنوات من الظلم.
من ناحية ثانية، اشتملت إعادة الهيكلة على وقف جميع الامتيازات التي تحققها كوادر المؤسسات المستقلة، واكتفت بالحفاظ على المكتسبات المتحققة لهم، مع وقف المستقبلي منها، ما يوفر عدالة نسبية بين الفئات العاملة في القطاع العام، سواء في الوزارات أو المؤسسات المستقلة.
اليوم عدد كوادر القطاع العام المدنيين يزيد على 216 ألف موظف، وهذا الرقم يكفي لإدارة أكثر من بلد، ما يعني أن العدد بلغ حدودا يلزم التوقف عندها، حتى لا يتضخم القطاع العام لدرجة ينفجر معها، إذ إن فواتير الرواتب التي تفوق المليار قادرة على تحقيق نتيجة أفضل، ولو كانت تنفق على الخدمات والبنية التحتية مثلا.
الحكومات لجأت إلى إعادة الهيكلة إرضاء للغضب الشعبي واستجابة لكل الاحتجاجات المطلبية التي جرت، والتي زاد عددها على 5000 اعتصام خلال العامين الماضيين، لذلك لم تؤثر في المزاج العام، ولم ترضِ حتى المستفيدين من إعادة الهيكلة، فأين المشكلة؟
المشكلة أن الإصلاحات لم تأتِ طواعية، بل جاءت تحت ضغط الشارع الغاضب، ما قلل من شأنها ومن نتائجها، وكل الحديث عن ثبات المداخيل والأرقام التي تتحدث عن أن رواتب 75 % من العاملين في القطاع العام لا تكفي لعيش كريم لم تحرك الحكومات، ما اضطر الناس للاحتجاج مطالبين بتحسين أوضاعهم.
المشكلة تكمن في أن الحكومات لم تكن تنصت لنبض الشارع، وظلت بعيدة عنه، حتى جاء يوم صارت تطلب فيه رضا الناس وتقترب منهم دون فائدة ترجى.
خلال فترة قصيرة سيكون لدينا حكومة جديدة، ونجاحها يتطلب منها أن تنصت لهموم المجتمع وأوجاعه، فهل ينجح النواب باختيار حكومة بهذه المواصفات؟ لننتظر، ونرَ. ( الغد )