السرقات العلميّة

السطو على جهد الآخرين الفكري والعلمي يعد جريمة خطيرة ومروعة بحق الفكر والعقل أولاً وبحق منظومة التعليم والبحث العلمي ثانياً وبحق المجتمع كله، وبحق البشر أيضاً، وهو لا يقل بشاعة عن جريمة السطو على أملاك الآخرين المادّية، ومكتسباتهم وثمرة كدّهم وجهدهم البدني، بل هو أشد خطورة وأعظم أثراً.
ويقصد بالسرقة العلمية أن ينسب أحدهم لنفسه أفكاراً وجهوداً علمية مبتكرة وهي ليست له، بل أخذها من كتاب أو بحث من دون أن ينسبها إلى صاحبها عن سبق عمد وإصرار، وهذا ما يحدث أحياناً لدى بعض مقدمي الرسائل العلمية، أو بعض معدي الأبحاث المنشورة.
لقد اطلعت على المشكلة التي نشرت في الصحافة قبل أيام على لسان بعض الباحثين الأردنيين الذي وجد أن رسالته التي قدمها لنيل درجة الماجستير في جامعة آل البيت، قد تم السطو عليها من أحد الباحثين الذي تقدم لنيل درجة الدكتوراه في جامعة أخرى، وقام بتقديم شكوى وتم تشكيل لجنة تحقيق بهذا الخصوص، وقد أثبتت اللجنة صحة الدعوى، ونظر فيها القضاء، ولكن القضية تم شمولها بالعفو العام الذي صدر في تلك الفترة.
السرقات العلميّة تحتاج إلى تشريع خاص، ينظم معالجتها بشكل حاسم وقاطع، فيما يتعلق بالمؤسسات العلمية من جامعات حكومية وخاصة ومراكز بحث ودراسات، بحيث يتم التعامل مع هذه الجريمة بمنهجية واحدة، لا تقبل المساومة والجدل، إذ لا يجوز التساهل مطلقاً في التعامل مع مقترف هذه الجريمة، فلا يجوز أن يقبل في أية جامعة ولا يجوز له ممارسة التدريس، ولا يجوز اعتماد درجته العلمية، ويجب تعميم اسمه على الجامعات والمعاهد والمؤسسات العلمية المختصة كلها، حتى لو تم شمول هذه القضايا في العفو العام.
ويقترح أن يتم استثناء جريمة السرقة العلمية من العفو العام، كما تم استثناء جرائم أخرى عادة مثل جرائم الاغتصاب والقتل والإرهاب، لأن من يسرق الفكرة يسرق ما هو أكبر من ذلك وأصغر، والذي يقترف هذه الجريمة يفتقد إلى الملكة العلمية ويفتقد إلى الحد الأدنى من الحس الانساني الذي يجب أن يتمتع به كل من ينتسب إلى حقل العلم والعلماء وينتسب إلى عالم الأفكار.
كما يقترح أن يتم إنشاء قائمة سوداء تضم أسماء الذين اقترفوا جريمة السرقة العلمية، ويتم الاحتفاظ بها لدى وزارة التعليم العالي ولدى الجامعات ومؤسسات البحث العلمي، ويقترح أن تكون القائمة على مستوى العالم العربي والإسلامي، حيث يجب التعاون بين جميع الجامعات العربية والاسلامية في هذا المضمار ويجب التعاون في تبادل المعلومات الضرورية المتعلقة بصيانة البحث العلمي من المتطفلين على هذا الحقل ويجب صيانة البحث العلمي من كل أنواع العبث والتصرفات المسيئة التي تؤدي إلى تروّي الناحية العلمية والتربوية والثقافية والفكرية لدى المجتمعات والتي تؤدي بدورها إلى التخلف الفكري والفقر العلمي ويحول دون تقدمها الحضاري.
ويقترح في هذا الشأن أن تنشأ جمعية علمية خاصة من أصحاب الفكر والثقافة الواسعة ومن له باع طويل في مجال التأليف والبحث، من أجل محاربة ظاهرة السرقة العلمية ومعالجة ما يترتب عليها من آثار، ووضع التشريعات والأنظمة الوقائية التي تمنع حدوثها، أو يقترح على جمعية دعم البحث العلمي، أن تجعل أحد خطوطها تعقب السرقات العلمية بشكل دائم.
وفي هذا المجال يجب التنبّه من قبل الجامعات التي تمنح الشهادات العليا أن تحرص أشد الحرص عند تشكيل لجان المناقشة أن يبذلوا جهداً كبيراً في التأكد من أصالة الرسالة.
ومن أشد المفارقات أن تقع السرقة في رسالة علمية تحمل عنوان الملكية الفكرية. ( العرب اليوم )