حكي جرايد!!

ترددت كثيراً قبل الكتابة عن برنامج تلفزيوني امتاز بالنقد والجرأة في التناول وهو بعنوان حكي جرايد لسببين أولهما شخصي لأن ابني أصيل من فريق البرنامج والآخر لكوني غير متخصص في هذا الحقل فنياً على الأقل، لكن العرض الذي شاهدته بحضور جلالة الملك عبدالله ورئيس الوزراء د. عبدالله النسور وعدد من المسؤولين فاجأني في جرأته وفي التقبل الأريحي لجلالة الملك لما ورد فيه رغم أن الأسئلة التي قدمها العرض طالما دارت في رؤوسنا سراً ومنها ما الذي كان ينتظر الموسيقار الخالد بيتهوفن لو كان من بلادنا وكذلك آخرون من العظام في مجالاتهم الابداعية؟ والاجابة التي قدمها البرنامج أن بتهوفن كان سيقود عربة محملة بأنابيب الغاز ويعزف تلك الموسيقى النشاز العجيبة التي تطلقها عربات الغاز تحت نوافذ بيوتنا.
ولو كان من حقي أن أضيف أمثلة أخرى لهذا الخيال العلمي والاجتماعي والسياسي أيضاً لتساءلت ما الذي كان سينتهي اليه انيشتاين لو كان منا؟ وما الذي كانت ستنتهي اليه تلك المذيعة ذات الباع الطويل في الفضائيات العربية لو بقيت بيننا؟ وفي أية مدرسة وبأية مدينة أو قرية كان سيقيم ميشيل فوكو أو جوليا كريستيفا أو رولان بارت لو أنهم درسوا في أقسام الفلسفة في جامعاتنا وظلوا بيننا؟
قد لا يعرف بعض الناس أن العالم المصري مصطفى مشرفة كان توأماً فيزيائياً لأنيشتاين وشاركه في عمله وساهم معه في اصدار الكتب ومات عام 1950 ولم يذكره أحد الا بعد ستين عاماً عندما جازفت احدى شركات الانتاج بتقديم مسلسل عنه.
ويمكن قول ما هو أكثر من هذا عن علماء عرب من طراز أحمد زويل وفاروق الباز وآخرين وما سمعته ذات يوم من الدكتور الباز يصيب القارىء بالقشعريرة لو رويته لكن المقام لا يتيح ذلك الآن.
انه حكي جرائد وقد يكون أيضاً حكي صالونات أو مقاهٍ، لكن الحقيقة المرة تحت هذا المشهد هي ما عبر عنه طه حسين عندما قارن في مقالة شهيرة بين أغنيائنا وأغنياء فرنسا وما قاله الراحل هشام شرابي في كتابه الجمر والرّماد عن خيبة المثقف الذي يعاقب على ما اقترف من ثقافة بينما يكافأ الأمي على أخطاء جسام.
ما استوقفني في حكي جرائد هو جرأة الفريق واستجابة الملك عبدالله ومن حضروا معه البرنامج للعرض، وهذا المستوى من النقد رغم ظاهره السّاخر إلا أنه جذر المسألة كلها، فثمة في هذه البلاد أرقام صعبة في مختلف مجالات العلوم والفنون، لكنها تخسر من حاصل جمعها، بسبب غياب السياقات، والانفتاح على النقد والاستجابة له هو أول الغيث في زمن اليباب، وما أدركته بهذه المناسبة وغيرها أيضاً أن أصحاب القرار سئموا من النفاق ويريدون سماع شيء آخر. ( الدستور )