مبادرة «منصور» تحول جذري في موقف الاخوان!

تعتقد أطراف داخل الحركة الإسلامية - وآخرون ايضا - ان تشكيل حكومة “اصلاح وطني” تضم كفاءات سياسية مشهود لها بالنزاهة والنظافة سيكون نقطة “تحول” نحو انتقال مشروع الاصلاح من دائرة الاستعصاء “والممانعة” الى دائرة التنفيذ والاستجابة، بكل ما يتضمن ذلك من ضرورة “التكيف” مع التحولات التي طرأت في عالمنا العربي وبلدنا ومن دفع قطار “التوافقات” الوطنية نحو نقطة التقاء وجوامع تضعنا جميعا على سكة “السلامة” وتخرجنا من حالة “الجذب” المتبادل وتداعياتها “الانقسامية” للجلوس على طاولة الحوار بدل الاستمرار بالوقوف في الشارع.
هذا التحول الجذري في موقف الاخوان عبر عنه حمزة منصور في مقالة نشرها قبل يومين، وطرح فيها فكرة “تشكيل” حكومة تحظى بمشاركة شخصيات سياسية معتبرة، وانا استأذن هنا في اقتباس ما قاله الرجل في هذا السياق، يقول: “ليس من حق أحد ان يقول من صنع الأزمة هو المعني بحلها، فكلنا في مركب واحد وليس منا من هو في منأى عن العواقب ولنا فيما يجري حولنا في دول الجوار الف عبرة وعبرة، ثم يضيف “ازاء ذلك اطلق اكثر من شخصية وطنية شعار حكومة “انقاذ وطني” وان اختلفت الصياغة فهنالك من سماها حكومة وطنية ذات قاعدة عريضة، وهناك من سماها حكومة اصلاح وطني، والعبرة في المضمون، المهم ان تكون ذات قاعدة عريضة ومصداقية عالية وذات صلاحيات كاملة وذات برنامج اصلاحي، هذه الحكومة يتم تشكيلها بعد حوار معمق بين الملك وقوى حزبية وسياسية ورؤساء الكتل النيابية، ان وجدت، على برنامج الاصلاح وان تظى بدعم غير محدود من ملك البلاد حتى نغير المرحلة.
لا يهم - كما يرى منصور - من يشارك في هذه الحكومة ان يعتذر عن عدم المشاركة، ولا يهم إذا رأت الحركة الاسلامية عبر مجلس شوراها ألاّ تشارك فيها في ضوء تقدير المصلحة العامة، المهم - كما قال - هو “تحديد مسار يخرج البلد من الوضع الحالي بعيدا عن الخندقة في المواقف”.
لقد تعمدت ان انقل حرفيا ما ذكره الاستاذ حمزة منصور، وكنت - بالطبع - قد سمعت هذا الكلام من قبل اخرين داخل الجماعة، بعضهم يبدو مقتنعا تماما بضرورة المشاركة في حكومة تحمل مثل هذه المواصفات، وهذه المواقف تعبر عن “نقلة” جديدة في موقف الاخوان من “الاصلاح” فلأول مرة تصدر مثل هذه التصريحات التي يعترف بها الاخوان بانهم “تجاوزوا” كل ما طرحوه من شروط مسبقة، وحتى ما تمخضت عنه الانتخابات التي قاطعوها وانهم مستعدون لقبول “تشكيل حكومة وطنية” كعتبة نحو الاصلاح، وهم - هنا - لا يشترطون مشاركتهم فيها، ولا يحددون اية شخصية ترأسها، وانما يتركون ذلك بمشاورات بين الملك والقوى السياسية، وايضا الكتل البرلمانية.
حين ندقق في كلام الرجل - وسواه من العقلاء داخل الاخوان - سنكتشف اننا امام “خطاب” جديد، وفرصة جديدة، تسمح لنا بالبناء على هذه المبادرة، فهي تؤكد اولا على ان “حل الازمة” يفترض ان يشارك به الجميع وألاّ نحمله فقط على من “صفها “، وتؤكد- ثانيا - على ان البرلمان اصبح واقعا وانتزع شرعيته حتى وان كان الاخوان قد قاطعوا الانتخابات وغير ممثلين فيه، وتؤكد - ثالثا - على ضرورة ان تحظى اي حكومة بهذه المواصفات على الدعم “الملكي” وتؤكد - رابعا - على ان الاخوان مطالبون - دينيا ووطنيا - على الاسهام والمشاركة في حل الازمة التي يمر بها البلد، وانه لا عذر لهم اذا عزفوا عن ذلك.
إذا سألتني عن سرّ هذا التحول في موقف الاخوان وعن اسباب انسحابهم من “الاحتجاجات” والتزامهم بعدم “المشاغبة” على نتائج الانتخابات فان لدي بعض الاسباب من باب التحليل فقط، اولاها ان فتح “قناة” الحوار بين الاخوان والمرجعيات العليا قد اثمرت فعلا وانتهت على ما يبدو الى بعض التوافقات، وثانيها ان احساس الاخوان بان انسحابهم من المشهد السياسي، بعد مقاطعة الانتخابات، سيكرس عزلتهم وسيدفع الى تراجع رصيدهم في الشارع ، وبالتالي فانهم طرحوا هذه المبادرة وحسنوا من خطابهم لابعاد تهمة “التصلب في المواقف” عنهم، ووضع الكرة في مرمى الاخرين الذين يحملونهم “اعباء”، صناعة الازمات بحجة انهم اصحاب “رؤوس” حامية، وثالثها ان قراءة الاخوان للحالة السياسية، داخليا واقليميا، أكد لديهم قناعة جدوى الاصلاح بأقل ما يمكن من “خسارات” وضرائب، وهو ما عبر عنه الشيخ منصور فعلا، كما أكد لهم ضرورة دفع مايلزم من “تنازلات” للمشاركة فيه، حتى وان اختاروا ان يبقوا في اطار المعارضة من الخارج، لكن “المعارضة” التي تتحاور على الطاولة لا من خلال الشارع.
لا يسعني إلاّ ان اثمن مبادرة الشيخ منصور وبعض اخوانه في الجماعة وان ادعو الى “التقاط” هذه الرسالة والبناء عليها للخروج “بتوافق” وطني يفرز حكومة “اصلاحية” ذات مصداقية، واعتقد انها ستتمكن من التعامل مع “البرلمان” الجديد - مهما تحفظنا عليه - ومع مشروع الاصلاح بمنطق يجعلنا أكثر اطمئنانا على ان المرحلة القادمة ستكون مرحلة انتقالية نحو الديمقراطية التي يطالب بها مجتمعنا بما تشمله من عدالة وحرية وكرامة وحياة أفضل. ( الدستور )