إزالة التناقض المصطنع
هناك تناقض مصطنع وموهوم، يعشعش في أذهان كثير من البسطاء وبادي الرأي، وأولئك الذين يعيشون على المتناقضات ويستثمرون فيها، الذين يبنون أفكارهم في أغلب الأحيان على مجمل الانطباعات التي تخلقها بعض وسائل الإعلام الموجهة والمسيّرة بحرفية وتقنية عالية، التي أتقنت مهارة خلق هذه الانطباعات المرسومة بعناية والتي تستعصي على المعالجة أو الإزالة.
لقد تمّ زرع التناقض الوهمي بين مشروع الإصلاح الوطني، ومشروع تحرير الأرض المغتصبة، فقد حاولت بعض الأطراف أن تخلق انطباعاً في ذهن الطبقة السياسية، ومن ثمّ العامّة بأنّ أي انشغال بالهمّ الوطني الداخلي والانشغال بمواضيع الإصلاح الوطني سواء كان على الصعيد السياسي أو الاقتصادي أو الاجتماعي أو العلمي والتربوي، إنّما يكون على حساب الإعداد لمشروع التحرير، وهذا في الحقيقة من باب الوهم، إذ لا يعقل أنّ إهمال الشأن المحلّي، وإفساح المجال للفساد للانتشار والتعمّق والتمدد في كل مؤسسات الدولة، والسيطرة على مواقع النفوذ ومراكز التأثير في القرار، أن يشكّل ذلك خدمة لمشروع التحرير مع الاتفاق على أنّه يمثل القضية المركزية للأمّة العربية والإسلامية، لأنّ مصطلح المركزية لا يعني بأيّ حال من الأحوال أن تكون الأقطار ضعيفة وغارقة في وحل الاستبداد، وغارقة في الديون، وغارقة في التخلف والفقر، وتعاني التفرق والنزاع المفضي إلى الفشل وذهاب الريح.
وبناءً على هذه المقدمّة، فإنّ الانخراط الجمعي في مشروع الإصلاح الوطني يصبح ضرورة ملحة وأولوية أولى تتقدم على سائر الأولويات ويمثل الطريق الصحيح لدعم مشروع التحرير ومساندته، ولا يشكل ذلك تهمة بالنكوص أو التخاذل عن نصرة مشروع الجهاد والمقاومة، مع ضرورة الالتفات إلى مبدأ توزيع الأدوار الذي ينبغي أن يتمّ بذكاء، وأن يكون وفقاً لقواعد التعاون والمشاركة المرسومة بعناية.
التناقض الوهمي الثاني بين مشروع الإصلاح الوطني ومشروع الوحدة العربية الكبرى، والوحدة الإسلامية العظمى، فمن المعلوم بداهة أنّ الانشغال بمشروع الإصلاح الداخلي وعلى الصعيد المحلي يجب أن يكون قائماً على معنى التكامل والتعاون مع البلاد العربية كافة، والإصلاح الحقيقي يقتضي أن يكون متجهاً نحو القوة، والقوة تقتضي الوحدة وإزالة كل العوائق والمشاكل التي تحول دون التكامل الاقتصادي والتعاون السياسي والعسكري والأمني بين الأقطار العربية والإسلامية، هذا ما يفرضه العقل والمنطق، وكلّ من يحاول إيجاد التناقض بين الإصلاح الداخلي ومشروع الوحدة العربية فهذا لا يريد الإصلاح الحقيقي، وإنّما يسعى لإصلاح شكلي مصطنع يقوم على الضعف والفرقة وخدمة العدوّ المتربص.
التناقض الوهمي الثالث الذي جرى تسويغه، وما زالت بعض الأطراف تسعى لتعميقه بطريقة مصطنعة ومتكلفة بين العروبة والإسلام، وهذا محض مؤامرة وقع في حبائلها بعض المغرضين من جهة، وبعض الجهلة من جهة أخرى، لأنّ العرب مادة الإسلام، والعرب هم حملة هذه الرسالة الحضارية إلى البشرية لأنّ الله عزّ وجل قدّر اختيار الرسول محمد ليكون من العرب، وقدّر أن تكون لغة القرآن هي اللغة العربية، وقدّر أن يكون مهبط الوحي في أرض العرب وقّدر أن يكون العرب قادة الفتح والهداية، وتمّ تكليفهم بحمل مشعل الضياء والرحمة والتسامح، والعدل والتعاون على البرّ إلى كلّ البشرية، وإلى كلّ الإنسانية، وإلى كلّ موجودات الكون.
إزالة هذه التناقضات نقطة البدء في مشروع النهوض الحضاري، ونقطة البدء في مشروع الإصلاح الوطني، يحتاج إلى توافق جمعي لا مراء فيه يدعمه تحالف قوي يتشكل من المثقفين والمفكرين والسياسيين والكتّاب والأدباء والفنّانين وأساتذة الجامعات، والمعلمين والمنخرطين في العمل النقابي والعمل الوطني، وأهل الصحافة، ومراكز الدراسات والأبحاث؛ من أجل توحيد المجتمع وتقويته ومقاومة عوامل النزاع والفرقة والضعف المفضية إلى الزوال .