البطل والكُمْبارس!!

من أكثر مقاهي القاهرة طرافة مقهى يحمل اسم «بعرة» وهو مخصص للكمبارس ممن يؤدون أدواراً ثانوية في الأفلام، ومنهم من ينتهي عمله عند قيامه بأعمال محفوفة بالخطر نيابة عن البطل، وقد سمعت من هؤلاء في العديد من الليالي حكايات تصلح للتحليل النفسي بل للتعميم على مجالات الحياة كلها.
أحدهم همس بأذني أنه أهم من كل نجوم مصر، لكن حظه سيء، وقال آخر عن نجم معروف أنه استخدم علاقات مشبوهة ليكون بطلاً في بعض الأفلام، أما الممثلات فقد سمعت الحكاية ذاتها عنهن بلا استثناء من نساء يعملن كومبارس أو بدائل لهن، فهن من وجهة نظر الكومبارس النسائي منحرفات ولم يصلن الى الشهرة إلا عبر وسائل غير مشروعة، وسرعان ما اكتشفت أن من يقلن ذلك هن اللواتي سلكن تلك الطرق لكن بلا جدوى، وانفرد من هؤلاء رجل كان يعمل بديلاً لرشدي أباظة عندما يقع عن سلم أو يتعرض لمشهد عنيف فقد امتدح هذا الكمبارس النجم الراحل وأثنى على كرمه.
بعيداً عن السينما تعج حياتنا السياسية والاجتماعية والثقافية بالأبطال والكمبارس معاً، لكن عدد الأبطال أقل بكثير من عدد بدائلهم أو أشباههم، وما يقوله كومبارس السينما يردده الكمبارس السياسي والثقافي بحذافيره، فهو إما أن يعترف بأنه سيء الحظ أو يطعن الآخرين الذين حققوا أهدافهم.
أما الشيء الوحيد الذي لا يعترف به، فهو فشله ومحدودية قدراته ومواهبه، لهذا عاش ومات كومبارس ولم يتطور لأنه نقد الجميع ولم ينقد ذاته وأعاد أسباب فشله الى القدر والحظ والعيوب الأخلاقية في الذين كدحوا وحققوا نجاحاتهم.
كومبارس السياسة لديه من الأوهام بأنه لم يصبح زعيماً أو حتى ناشطاً معروفاً في مجاله ما يحجب عنه قصوره الذاتي أو كسله أو بحثه عن أقصر الطرق للوصول، وكذلك كومبارس الثقافة الذي يستدعي في اللحظة الحرجة كل احتياطياته من الأوهام فيرى أنه ممنوع من النشر بسبب موقفه الراديكالي من الدولة والمجتمع، أو أنه سابق لزمانه لكن ما أن تحاور هذا الكومبارس حتى تجد أنه أنفق ثلاثة أرباح وقته وطاقته في النميمة وهجاء الآخرين الذين تآمروا على مواهبه ولو أنفق هذا الوقت والطاقة على تثقيف نفسه، والبحث عن طريق في الغابة لاختلف المشهد جذرياً.
وفي عالمنا العربي الذي ينوء بحمولة باهظة من التخلف والازدواجية والكيدية يتضاعف يومياً عدد الكومبارس ويقل عدد الأبطال، فالأقنعة تباع على الأرصفة، وكما قالت سيمون دو بوفوار من حسن حظ الأحمق أن هناك من هم أكثر حمقاً منه، وهم من المعجبين به الذين يُصَفّقون لأخطائه.
وفي عالم كهذا ما من بوصلة ثقافية أو أخلاقية يمكن الارتكان اليها، وثمة ما يغري الأعور بالبحث عن عميان يزهو عليهم ويزعم أنه زرقاء اليمامة.
حين اشاهد الافلام القديمة بالأبيض والأسود أرى كومبارس صدق مع نفسه وكدح بعصامية فذة ليصبح بعد أقل من عشرة أعوام بطلاً، ومقابل هذا الكائن السّوي، ثمة عشرات وربما مئات علقوا فشلهم على مختلف المشاجب واحترفوا النميمة والطعن بمن نجحوا، لهذا ماتوا وهم كومبارس ولا شيء آخر!!
( الدستور )